ويظهر هذا الأمر في العدول عن بعض الصيغ الاسمية إلى غيرها في سور الخطاب المدني، وهذا الظهور واضح في الآتي:
أ- العدول عن تعريف الاسم إلى تنكيره:
ويقع هذا الأمر لأن الاسم إما أن يكون معرفةً أو نكرةً، وكل منهما يفيد معنًى لا يفيده الآخر [1] ، فالاسم المعرف بالألف واللام يعدُّ من أقرب المعارف إلى النكرات، يقول ابن يعيش: «فالألف واللام أبهم المعارف وأقربها من النكرات ولذلك نعتت بالنكرة، كقولك: إني لأمر بالرجل غيرك فيمنعني وبالرجل مثلك فيعطيني، لأنك لا تقصد رجلًا بعينه... ويدل على ذلك أن من المعرف بالألف واللام ما يستوي في معناه ما فيه الألف واللام، وما لا (لام) فيه، نحو شربتُ ماءً، والماء، وأكلت خبزًا، والخبر، ولذلك لم يمتنع أن ينعت ما فيه الألف واللام المبهم» [2] ، فالاسم لا يكتسب قيمته البلاغية لكونه نكرةً أو معرفةً، وإنما للموقع الذي وقع فيه، وهو ما بينه الإمام عبدالقاهر الجرجاني في حديثه عن نظم الكلام، مستشهدًا بقوله تعالى: { وَلَتَجِدَنّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلَى حَيَاةٍ } [البقرة: 96] ، إذ قال: «إذا أنت رجعت إلى نفسك وأذكيت حسك وجدت لهذا التنكير ... حسنًا وروعةً ولطف موقعٍ لا يغادر قدرته وتجدك تعدم ذلك مع التعريف وتخرج عن الأريحية والأنس إلى خلافهما، والسبب في ذلك أن المعنى على ازديادٍ من الحياة لا الحياة من أصلها، وذلك أنه لا يحرص عليه إلا الحي» [3] .
(1) ينظر: الإتقان في علوم القرآن ( 1/291 ) .
(2) شرح المفصل ( 5/87 ) .
(3) دلائل الإعجاز ( 222 ) .