... من هذه الملاحظات نجد أن النظام النحوي ليس من شأنه أن يستبين بوساطة قرينةٍ لفظيةٍ أو معنويةٍ مفردةٍ [1] ، (( بل لا بد أن يتضافر عدد من القرائن على بيان المعنى؛ ذلك بأن اللغة ظاهرة إنسانية، والإنسان بطبعه قلما يكتفي لإدراك شيءٍ بقرينةٍ واحدةٍ تدل على هذا الشيء، وإنك إن سألت شخصًا ما عن عنوانٍ تريد الوصول إليه، ولم تكن تعرفه من قبل، فإن هذا الشخص لا يكتفي بتعداد اتجاهات الطريق الذي تسأله عنه إلى العنوان، وإنما تجده بعد وصف الطريق وإيراد نقط منعرجك إلى اليمين وإلى الشمال، يعمد إلى تحديد العنوان المطلوب بعددٍ من القرائن أيضًا، فهو من ثلاثة طوابقٍ وعلى يمين الطريق وتحته مكتبة ومحل بقالةٍ، وهو على ناصية شارع كذا وكذا... وهكذا يعدد القرائن ليعين قدرة السائل على معرفة العنوان المقصود، وهكذا الجملة العربية فهي ذات ملامحٍ يتضح بها معناها، وهذه الملامح هي القرائن بأنواعها اللفظية والمعنوية والسياقية، التي من شأنها أن تتعدد لضمان إدراك المعنى، فهي جميعًا تتضافر لبيان المعنى الواحد وتدعيمًا لقدرة السامع على إدراك هذا المعنى، فإذا اتضح المعنى ببعضها أمكن بسبب أمن اللبس أن يتم الترخص في بقيتها ) ) [2] .
الرتبة في خطاب العهد المدني:
... الرتبة في النحو قسمان: أحدهما الرتبة المحفوظة، كتقدم الاسم الموصول على صلته والموصوف على صفته، وتأخير البيان عن المبين، والمعطوف بالنسق عن المعطوف عليه، والتوكيد عن المؤكد، والبدل عن المبدل منه، وصدارة الأدوات في الأساليب النحوية المختلفة، وتقدم حرف الجرَّ على المجرور، وحرف العطف على المعطوف، وأداة الاستثناء على المستثنى، وحرف القسم على المقسم به، وواو المعية على المفعول معه، والمضاف على المضاف إليه [3] .
(1) ينظر: البيان في روائع القرآن ( 1/229 ) ، وما بعدها.
(2) البيان في روائع القرآن ( 1/229-230 ) .
(3) ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها ( 207 ) .