الموقف الأول: ذهب فيه جماعة من المفسرين إلى القول بأن هذه الأحرف هي مما استأثر الله بعلمه، فردوا علمها إلى الله تعالى ولم يفسروها، حكاه القرطبي في تفسيره [1] عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم - ، و (( قاله الربيع بن خيثم، والشعبي، والثوري واختاره أبو حاتم بن حبان ) ) [2] .
الموقف الثاني: هو مذهب الجمهور من المفسرين، أن هذه الأحرف ليست من المتشابه الكلي الذي استأثر الله بعلمه بل يمكن تأويل معناها، وإن اختلفوا في ذلك التأويل لمعناها [3] .
وسبب اختلافهم هو: رأيهم في هذه الأحرف أمن المتشابه هي أم من المحكم؟
... والجواب فيه تفصيل (( فإن كان المراد أنها من المتشابه النسبي، الذي قد يخفى على قوم، فنعم، وإن كان المراد أنها من المتشابه الكلي، الذي لا يعلمه أحد إلا الله، فلا، ومن أدخلها في المتشابه الكلي فقد أخطأ، لأن السلف قد تعرضوا للقول فيها، ولو كانت من المتشابه الكلي لما قالوا فيها شيئًا ) ) [4] .
... ومن الأدلة أيضًا على أن هذه الأحرف التي في بداية الخطاب المكي والمدني، ليست من المتشابه الكلي، أن الآية التي في سياق الحديث عن المتشابه من القرآن (( يقول الله تعالى فيها: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهم وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ } [5] ...
... وبيان ذلك أن للتأويل عند السلف معنيين [6] :
(1) ينظر: تفسير القرطبي ( 1/154 ) .
(2) نفسه.
(3) ينظر: تفسير ابن كثير (1/37 ) .
(4) مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر لـ د. مساعد بن سليمان الطيار (78) .
(5) آل عمران: 7.
(6) ينظر: أضواء البيان، للشنقيطي ( 1/168 ) .