... وهذه الأدوات تكرر ذكرها وذكر غيرها، في أثناء آيات سور العهد المكي والمدني، ولهذا أفردت لها مبحثًا خاصًا بها؛ حتى لا أعود بالحديث عنها في كل مبحث من المباحث الآتية، وجعلت هذا المبحث في الأدوات النحوية، التي جاءت في أوائل السور المدنية، وقد يقول قائل: لم بدأت الحديث أولًا بالأحرف المقطعة، ثم أعقبتها بالحديث عن الأدوات، إذ الأولى أن تبدأ الحديث بالاسم ثم الفعل ثم تختم حديثك بالأدوات، فأقول: صحيح أن رتبة الاسم مقدمة على رتبة الفعل لأنه يستغني بنفسه عن طلب فعل، وأن الفعل فرع عليه، ومفتقر إليه، ولا يستغني عنه، ويفيد مع اسم واحد، أما الحرف فلا يفيد مع اسم واحد فحقه التأخر لأنه يجب أن يعلق بشيء، ولكن هذا من حيث الوظيفة، أما من حيث المعنى فإن الأدوات بابها التقدم [1] ، وهذا ما دفع ابن جني في خصائصه إلى قوله: (( ويجوزُ أنْ يكونوا قدَّمُوا الفعلَ في الوضعِ قبلَ الاسمِ وكذلِكَ الحرفَ، وذلِكَ لأنَّهم وَزَنُوا حِينَئذٍ أحوالَهم وعرفُوا مصايرَ أمورِهم، فعلموا أنَّهم محتاجونَ إلى العباراتِ عن المعانيِّ وأنَّها لا بُدَّ لها من الأسماءِ والأفعالِ والحروفِ، فلا عليهم بأيِّهَا بدأوا أبالاسمِ أم بالفعلِ أم بالحرفِ لأنَّهم قد أوجبوا على أنفسِهِم أنْ يأتُوا بهنَّ جُمَعَ، إذ المعاني لا تستغني عن واحدٍ منهن، وهذا مذهبُ أبي علي وبهِ كانَ يأخذُ ويُفتي ) ) [2] ، وبناء على ذلك الرأي بدأت حديثي مقدمًا القول في الأدوات (حروف المعاني) على القول في الاسم والفعل، ثم إنني راعيت أن أولى السور في القرآن بدأت بالأحرف المقطعة وثاني السور كذلك، أما السورة الثالثة في ترتيب المصحف الشريف فبدأت بالأدوات، وكلهن سور مدنية فلم أشأ المخالفة لهذا الترتيب في تناولي للموضوع.
(1) ينظر: الخصائص ( 1/225 ) .
(2) نفسه ( 2/30 ) .