فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 320

المبحث الحادي عشر

التدرج في التكاليف

إن من أشق الأشياء العملية التربوية، وذلك لأنها تتعامل مع نفوس لا يحكمها قانون محدد يسير عليه الإنسان، فكل نفس لها تشكيلها الخاص، ومن ثم الوسيلة الخاصة لمعالجتها، ولذلك وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي كل إنسان ويوجهه على حسب قدرته وميوله .

-ولو تأملنا في الرسالات لوجدناها نزلت متدرجة فنزلت التوراة مثلًا على موسى - عليه السلام -، وعندما صعدت الإنسانية في مدارج نضجها الفكري جاء القرآن الكريم في أسلوب أعمق وأرحب: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (89) سورة النحل .

والقرآن نفسه نزل متدرجًا كما قال الله - تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا} (106) سورة الإسراء.

لقد جاء هذا القرآن ليربي أمة، ويقيم لها نظاما، فتحمله هذه الأمة إلى مشارق الأرض ومغاربها، وتعلم به البشرية هذا النظام وفق المنهج الكامل المتكامل. ومن ثم فقد جاء هذا القرآن مفرقا وفق الحاجات الواقعية لتلك الأمة، ووفق الملابسات التي صاحبت فترة التربية الأولى. والتربية تتم في الزمن الطويل، وبالتجربة العملية في الزمن الطويل. جاء ليكون منهجا عمليا يتحقق جزءا جزءا في مرحلة الإعداد، لا فقها نظريا ولا فكرة تجريدية تعرض للقراءة والاستمتاع الذهني! وتلك حكمة نزوله متفرقا، لا كتابا كاملا منذ اللحظة الأولى.

ولقد تلقاه الجيل الأول من المسلمين على هذا المعنى. تلقوه توجيها يطبق في واقع الحياة كلما جاءهم منه أمر أو نهي، وكلما تلقوا منه أدبا أو فريضة. ولم يأخذوه متعة عقلية أو نفسية كما كانوا يأخذون الشعر والأدب ولا تسلية وتلهية كما كانوا يأخذون القصص والأساطير فتكيفوا به في حياتهم اليومية. تكيفوا به في مشاعرهم وضمائرهم، وفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت