وشرّ مستطير، ولأن تقتَتل البادية والحاضرة حينئذٍ حتّى يذهبوا عن آخرهم لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض الحكم بشريعة الله.
واعتبر ذلك إن شئت: بموقف الصدّيق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة حتّى عُدَّ من أعظم فضائله رضي الله عنه أن ثبّته الله عند قتالهم، فعَنِ الزُّهْرِىِّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ . فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّى مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ » .
فَقَالَ وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِى عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا . قَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِى بَكْرٍ - رضى الله عنه - فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ ." [1] ."
وممّا يدلّ على أنّ قتال المرتدين من أعظم القربات وأفضل مراتب الجهاد في سبيل الله؛ أنّ الصدّيق رضي الله عنه لم يشغله إنفاذُ بعثِ أسامة لغزو الروم كما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند قتالِ من ارتدّ من العرب، بل جهّز لحربهم وأعدّ العدّة لها حتّى إذا قدم أسامة بن زيد خرج أبو بكر واستخلفه على المدينة، ومضى حتّى انتهى إلى الربذة يلقي بني عبس وذبيان وجماعة من بني عبد مناة بن كنانة فلقيهم بالأبرق، فقاتلهم، فهزمهم الله وفلَّهم، ثمّ رجع إلى المدينة، فلمّا جَمَّ جند أسامة ونابَ من حول المدينة خرج إلى ذي القصّة فقطع فيها الجند، وعقد الألوية، أحد عشر لواءً لقتال المرتدّين [2] .
فإن قيل: فلِم لم يذكر الأئمة رحمهم الله تعالى هذا النوع من القتال في المواضع التي يتعيّن فيها الجهاد في سبيل الله..؟!
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (1399 و1400 )
(2) - وانظر تفصيل هذه الأخبار في تاريخ الأمم والملوك للطبري في حوادث سنة 11هـ.