الحديد،ويضرب بينهم وبين المؤمنين: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) [الحديد:13 - 15] ،وهذا أشد ما يكون من الحسرة والبلاءِ أن يفتح للعبد طريق النجاة والفلاح،حتى إذا ظن أنه ناج ورأى منازل السعداءِ اقتطع عنهم وضربت عليه الشقوة ونعوذ بالله من غضبه وعقابه.
وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل لغلظ كفرهم،فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم،وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره البعداءُ،ووصل إليهم من معرفته وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة،فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفرًا وأخبث قلوبًا،وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداءِ عنهم،وإن كان البعداء متصدين لحرب المسلمين.
ولهذا قال تعالى في المنافقين: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} (3) سورة المنافقون،وقال تعالى فيهم: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} (18) سورة البقرة،وقال تعالى في الكفار: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } (171) سورة البقرة،فالكافر لم يعقل،والمنافق أبصر ثم عمي وعرف ثم تجاهل وأقرَّ ثم أنكر وآمن،ثم كفر،ومن كان هكذا كان أشد كفرًا وأخبث قلبًا وأعتى على الله ورسله،فاستحق الدرك الأسفل.
وفيه معنى آخر أيضًا وهو أن الحامل لهم على النفاق طلب العز والجاه بين الطائفتين فيرضوا المؤمنين ليعزوهم،ويرضوا الكفار ليعزوهم أيضًا.
ومن هاهنا دخل عليهم البلاءُ،فإنهم أرادوا العزتين من الطائفتين،ولم يكن لهم غرض في الإيمان والإسلام ولا طاعة الله ورسوله،بل كان ميلهم ووضعهم وجهتهم إلى الكفار،فقوبلوا على ذلك بأعظم الذل وهو أن جعل مستقرهم في أسفل السافلين تحت