والشنار،ومودتهم تحل غضب الجبار وتوجب دخول النار ،من علقت به كلاليب كلبهم ومخاليب رأْيهم مزقت منه ثياب الدين والإيمان وقطعت له مقطعات من البلاءِ والخذلان،فهو يسحبُ من الحرمان والشقاوة أذيالًا،ويمشي على عقبيه القهقرى إدبارًا منه وهو يحسب ذلك إقبالًا.
فهم والله قطاع الطريق،فيا أيها الركب المسافرون إلى منازل السعداء،حذار منهم حذار،هم الجزارون ألسنتهم شفار البلايا [1] .ففرارًا منهم أيها الغنم فرارًا.
ومن البلية أنهم الأعداءُ حقًا وليس لنا بد من مصاحبتهم،وخلطتهم أعظم الداءِ وليس بد من مخالطتهم قد جعلوا على أبواب جهنم دعاة إليها فبعدًا للمستجيبين،ونصبوا شباكهم حواليها على ما حفت به من الشهوات،فويل للمغترين.نصبوا الشباك ومدوا الأشراك وأذن مؤذنهم: يا شياه الأنعام حي على الهلاك،حي على التباب [2] .فاستبقوا يهرعون إليهم،فأوردوهم حياض العذاب،لا الموارد العذاب.
وساموهم من الخسف والبلاءِ أعظم خطة،وقالوا: ادخلوا باب الهوان صاغرين ولا تقولوا حِطة [3] ،فليس بيوم حطة.فواعجبًا لمن نجا من شراكهم لا من علق،وأنى ينجو من غلبت عليه شقاوته ولها خُلق،فحقيق بأهل هذه الطبقة أن يحلُّوا بالمحل الذى أحلهم الله من دار الهوان وأن ينزلوا في أردئ منازل أهل العناد والكفران.
وبحسب إيمان العبد ومعرفته يكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة،ولهذا اشتد خوف سادة الأُمة وسابقوها على أنفسهم أن يكونوا منهم،فكان عمر بن الخطاب يقول: يا حذيفة،ناشدتك الله،هل سمانى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع القوم؟ فيقول: لا،ولا أُزكى بعدك أحدًا [4] .
(1) - الشَّفْرَةُ: السكِّين العَظيمُ، وما عُرِّضَ من الحَديدِ وحُدِّدَ ج: شِفارٌ.."القاموس المحيط - (1 / 436) وتاج العروس - (1 / 3019) ولسان العرب - (4 / 418) "
(2) - التَبابُ: الخُسْرانُ والهَلاكُ. الصحاح في اللغة - (1 / 61)
(3) - قُولُوا حِطَّةٌ - أَيْ اللَّهُمَّ حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا ، وَاغْفِرْ لَنَا . أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 65)
(4) - عَنْ حُذَيْفَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: دُعِيَ عُمَرُ ، لِجِنَازَةٍ ، فَخَرَجَ فِيهَا أَوْ يُرِيدُهَا فَتَعَلَّقْتُ بِهِ فَقُلْتُ: اجْلِسْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّهُ مِنْ أُولَئِكَ ، فَقَالَ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ أَنَا مِنْهُمْ ، قَالَ: لاَ وَلاَ أُبَرِّئُ أَحَدًا بَعْدَكَ.كشف الأستار - (1 / 391) (831) صحيح
وعَنْ حُذَيْفَةَ , قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ , فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ حُذَيْفَةُ , فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَمِنَ الْقَوْمِ هُوَ ؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ: بِاللَّهِ , أَنَا مِنْهُمْ ؟ قَالَ: لاَ , وَلَنْ أُخْبِرَ أَحَدًا بَعْدَكَ.السنة لأحمد بن محمد الخلال - (4 / 111) (1288) صحيح