وقد علم الله ورسوله والمؤمنون بأنهم أهل الفتن المفسدون في الأرض،وإذا دعا ورثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى كتاب الله وسنَّة رسوله خالصة غير مشوبة [1] رموهم بالبدع والضلال،وإذا رأوهم زاهدين في الدنيا راغبين في الآخرة متمسكين بطاعة الله ورسوله رموهم بالزوكرة [2] ،والتلبيس والمحال.وإذا رأوا معهم حقًا ألبسوه لباس الباطل،وأخرجوه لضعفاءِ العقول في قالب شنيع لينفروهم عنه،وإذا كان معهم باطل ألبسوه لباس الحق وأخرجوه في قالبه ليقبل منهم.
وجملة أمرهم أنهم في المسلمين كالزغل في النقود [3] ،يروج على أكثر الناس لعدم بصيرتهم بالنقد،ويعرف حاله الناقد البصير من الناس،وقليل ما هم،وليس على الأديان أضرَّ من هذا الضرب من الناس،وإنما تفسد الأديان من قِبلهم،ولهذا جلا الله أمرهم في القرآن،وأوضح أوصافهم وبين أحوالهم وكرر ذكرهم،لشدة المؤنة على الأُمة بهم وعظم البلية عليهم بوجودهم بين أظهرهم وفرط حاجتهم إلى معرفتهم والتحرز من مشابهتهم والإصغاء إليهم،فكم قطعوا على السالكين إلى الله طرق الهدى وسلكوا بهم سبيل الردى: وعدوهم ومنوهم،ولكن وعدوهم الغرور ومنوهم الويل والثبور.
فكم من قتيل،ولكن في سبيل الشيطان وسليب ولكن للباس التقوى والإيمان.وأسير لا يرجى له الخلاص وفارّ من الله لا إليه،وهيهات ولات حين مناص.صحبتهم توجب العار
(1) - قلت: كل الأئمة ورثة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما يقال هذا لأهل الأهواء والبدع المخالفة للدين عامه وخاصه ، المقلدون تقليدًا أعمى لزعمائهم بحق أو بباطل ، وأما أتباع الأئمة الأربعة فلا يتوجه هذا الكلام إليهم أصلًا ، فمن بلغ درجة الاجتهاد وجب عليه ذلك إن اتسع الوقت ، وإن لم يتسع الوقت جاز له التقليد ، ومن كان أهلًا للاجتهاد في مسألة ما فعليه ذلك ، وغالب الناس ليسوا كذلك ، بل مقلدون يتبعون أحد الأئمة الأربعة المهديين ، فإذا زعمت أنك مجتهد ودعوت الناس لاتباعك ، فلا يلزمهم ذلك ، فأنت لا تلزم باجتهادك سوى نفسك ، والأمة لم تسلِّم لك ، وسلمت للأئمة السابقين ، كما أن الله تعالى لم ينزل عليك وحي ولم يخصك بشيء دون السابقين ،وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم في فهم كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك لأن معظم النصوص الشرعية ليست قطعية الدلالة على المعنى المراد ، بل هي حمالة أوجه ، فلا تستطيع أن تلزم الناس بفهمك أنت ، وحتى تصحيح الأحاديث وتضعيفها أمر قائم على الاجتهاد وغلبة الظن ، فلو صححت حديثا ضعفه غيرك لا تستطيع أن تلزمه بذلك ، بل تلزم نفسك فقط ، وللتوسع في هذا الأمر الخطير راجع كتابي (( الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليد ) )
(2) - لم أجد هذه الكلمة ، ولعله يقصد رموهم بالجنون
(3) - ( الزغل ) الغش"المعجم الوسيط ـ موافق للمطبوع - (1 / 395) "