الَعهْدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ إِلى مَا كَانَ عَلَيهِ مِنْ قَبْلُ.فَدَبَّ الخِلافُ والخِذْلانُ،وَسَادَ التَّشَكُّكُ بَيْنَ القَبَائِلِ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ،وَاسْتَشْعَر كُلُّ فَريقٍ الحَذَرَ مِنَ الآخَرِ .
وفِي لَيلَةٍ شَاتِيةٍ هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدةٌ بَارِدَةٌ أَخَذَتْ تَكْفَأُ القُدُورَ،وَتَقْتَلِعُ الخِيَامَ،فَنَادَى أَبُو سُفَيَانَ بِالرَّحِيلِ في النَّاسِ فَارْتَحَلُوا .
حِينَ جَاءَتْكُمْ الأَحْزَابُ مِنْ أَعْلَى الوَادِي ( مِنْ جِهَةِ المَشْرِقِ ) ،وَمِنْ أَسْفَلِهِ ( مِنْ جِهَةِ المَغْرِبِ ) ،وَحينَ زَاغَتِ الأَبْصَارُ واضْطَرَبَتِ الرُّؤيةُ مِنَ الخَوْفِ والفَزَعِ الذي اعْتَرى المُسْلِمينَ،وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ ( وَهُوَ تَعْبيرٌ عَنِ الضِّيقِ وشِدَّةِ الخَوْفِ وَالفَزَعِ واليَأْسِ الذي اعْتَرَى المُسْلِمِينَ ) وَنَشَطَ المُنَافِقُونَ يُرْجِفُونَ في المَدِينةِ،وَيُثِيرُونَ الشُّّكُوكَ بالإِشَاعَاتِ الكَاذِبَةِ المُثَبِّطَةِ التِي كَانُوا يَنْشُرُونَها لإِضْعَافِ ثِقةِ المُؤْمِنينَ بِأَنْفُسِهِمْ،وَبِقُدْرَتِهِمْ عَلى القِتَالِ،حَتَّى ظَنَّ بَعْضُ ضِعَافِ النُّفُوسِ والإِيمَانِ أَنَّ الأًَحزَابَ سَيَسْتَأْصِلُونَ شَأْفَةَ المُسْلِمينَ.وَقَالَ مَعْتِبُ بَنْ قُشَيْرٍ:كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ،وأَحَدُنا لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَذْهَبَ إِلى الغَائِطِ .
أَمَّا المُؤمِنُونَ المُخْلِصُونَ فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَا وَعَدَهُمُ اللهُ وَرَسُولَهُ حَقٌّ،وَأَنَّ الله سَيَنْصُرُ المُسْلِمِين،وَسَيَنْصُرُ دِينَهُ وَيُظْهِرُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ .
وَفِي ذَلِكَ الحِينِ امْتَحَنَ اللهُ المُؤْمِنينَ وَمَحَّصَهُمْ أَشَدَّ التَّمْحِيصِ،فَظَهَرَ المُخْلِصُ الرَّاسِخُ الإِيمَانِ،مِنَ المُنَافِقِ المُتَزَلْزِلِ،واضْطَرَبُوا اضْطِرابًا شَديدًا مِنَ الخَوْفِ الذِي أَصَابِهُمْ .
أَمَّ المُنَافِقُونَ فَظَهَرَ نِفَاقُهُمْ،فَقَالَ مُعْتِبُ بْنُ قُشَيْرٍ مَا قَالَ،وَقَالَ ضِعَافُ الإِيمَانِ وَالذِينَ فِي أًنْفُسِهِمْ رِيبَةٌ وَشَكٌ،لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بالإِسْلامِ - { الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } : { مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا } ،أَيْ لَمْ يكَنْ مَا وَعَدَنا بِهِ اللهُ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفِرِ بِالعَدُوِّ إِلا وَعْدًا يَغُرُّنَا وَيَخْدَعُنا .
وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ حِينَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ المُنَافِقينَ ( كَعَبدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ وأَصْحَابِه ) :يَا أَهْلَ المَدينةِ ( يَثْرِبَ ) لَيْسَ هذا المُقَامُ،الذي تُقِيمُونَهُ مُرَابِطِينَ مَعَ النَّبِيِّ،بِمُقَامٍ صَالِحٍ لَكُمْ،فَارْجِعُوا إِلى مَنَازِلِكُمْ لِتَحْمُوهَا،وَلِتُدَافِعُوا عَنْها وعَنْ عِيَالِكُمْ.واسْتَأْذَنَ فَريقٌ منْهُمُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - طَالِبينَ السَّمَاحَ لَهُمْ بِالعَوْدَةِ إِلى مَنَازِلِهِمْ ( وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ ) ،وَقَالُوا إِنَّهُمْ يَخَافُونَ