العَمَلِ عَلَى صَرْفِ النَّاسِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ،فَسَاءَ عَمَلُهُمْ وَقَبُحَ إِذْ آثرُوا الكُفْرِ عَلَى الإِيْمَانِ،وَأَظْهَرُوا خلاَفَ مَا يَعْتَقِدُونَ،وَسَيَلْقَوْنَ عِقَابَ ذَلِكَ العَمَلِ السَّيِّئِ فِي الآخِرَةِ .
وَذَلِكَ الذِي فَعَلُوهُ إِنَّمَا أَقْدَمُوا عََلَيْهِ لِسُوءِ سَرِيرَتِهِمْ،وَقُبْحِ طَوّيتِهِمْ،فَاسْتَهَانُوا بِمَا يَفْعَلُونَ،وَكُلُّ هَمِّهِم المُحَافَظَةُ عَلَى دِمَائِهِم وَأَمْوَالِهِمْ،لِذَلِكَ أَظْهَرُوا للنَّاسِ الإِيْمَانَ وأَبْطَنُوا الكُفْرَ،وَقَدْ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِليهَا الإِيمْانُ الحَقُّ،فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَفْقَهُونَ .
وَإِذَا رَأَيْتَ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ تُعْجِبُكَ صُوَرُهُمْ،وَإِذَا تَكَلَّمُوا تُعْجِبُكَ أَقْوَالَهُمْ لأَنَّهُمْ ذَوُو صُورٍ مُتَنَاسِقَةٍ،وَذَوُو لَسَنٍ وَفَصَاحَةٍ،وَلَكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ أَشْبَاحٌ بِلاَ أَرْوَاحٍ،وَقُلُوبُهُمْ فَارِغَةٌ مِنَ الإِيْمَانِ فَكَأَنَّهُمْ خُشُبٌ جَوْفَاءُ قَدْ نَخَرَ السُّوسُ دَاخِلَهَا،وَهُمْ فِي غَايةِ الهَلَعِ وَالجَزَعِ،يَحْسَبُونَ كُلَّ صَوْتٍ يَقَعُ أَنَّ البَلاَءَ قَدْ جَاءَهُمْ،وَأَنَّ أَمْرَهُمْ قَدِ افْتَضَحَ،وَأَنَّهُمْ هَالِكُونَ لاَ مَحَالَةَ .
وَهَؤُلاَءِ هُمُ الأَعْدَاءُ الحَقِيقِيًُّونَ لِلاِسْلاَم وَالمُسْلِمِينَ فَلاَ تَأْمَنْهُمْ عَلَى سِرٍّ،لأَنَّ قُلُوبَهُمْ مُتَحَرِّقَةٌ حَسَدًا وَبُغْضًا،لَعَنَهُمُ اللهُ وَطَرَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ،فَمَا أَقْبَحَ حَالَهُمْ،وَمَا أَشَدَّ غَفْلَتَهُمْ،فَكَيْفَ يُصْرِفُونَ عَنِ الحَقِّ إِلَى البَاطِلِ،وَعَنِ الإِيْمَانِ إِلَى الكُفْرِ؟
وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ تَعَالَوا إِلَى رَسُولِ اللهِ لِيَسْتَغْفِرَ لَكُمْ عَمَّا سَلَفَ مِنْكُمْ مِنْ ذُنُوبٍ وَآثَامٍ وَنِفَاقٍ أَمَالُوا رُؤُسَهُمْ،وَأَعْرَضُوا اسْتِكْبَارًاَ وَأَنَفَةً أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ،وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ،قَالَ:كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ حَدِيثِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ،قَالُوا:بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ بَنِيَ الْمُصْطَلِقِ يَجْمَعُونَ لَهُ،وَقَائِدُهُمُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ أَبُو جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،خَرَجَ إِلَيْهِمْ حَتَّى لَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِمْ يُقَالَ لَهُ الْمُرَيْسِيعُ مِنْ نَاحِيَةِ قُدَيْدٍ إِلَى السَّاحِلِ،فَتَزَاحَفَ النَّاسُ فَاقْتَتَلُوا،فَهَزَمَ اللَّهُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ،وَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ،وَنَفَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ،فَأَفَاءَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ،وَقَدْ أُصِيبَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كَلْبِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرٍ،يُقَالُ لَهُ هِشَامُ بْنُ صُبَابَةَ أَصَابَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ رَهْطِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ،وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِنَ الْعَدُوِّ،فَقَتَلَهُ خَطَأً،فَبَيْنَا النَّاسُ عَلَى