أَصْبَحَ،وَصَدْرَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى آذَتْهُمُ الشَّمْسُ،ثُمَّ نَزَلَ بِالنَّاسِ،فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا أَنْ وَجَدُوا مَسَّ الْأَرْضِ وَقَعُوا نِيَامًا،وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لَيَشْغَلَ النَّاسَ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ .ثُمَّ رَاحَ بِالنَّاسِ وَسَلَكَ الْحِجَازَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ بِالْحِجَازِ فُوَيْقَ النَّقِيعِ،يُقَالَ لَهُ نَقْعَاءُ؛فَلَمَّا رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَبَّتْ عَلَى النَّاسِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ آذَتْهُمْ وَتَخَوَّفُوهَا،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَا تَخَافُوا فَإِنَّمَا هَبَّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْكُفَّارِ".فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَجَدُوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ أَحَدَ بَنِي قَيْنُقَاعٍ وَكَانَ مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ،وَكَهْفًا لِلْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ ذَلِكَ الْيَوْمَ،فَنَزَلَتِ السُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهِ فِيهَا الْمُنَافِقِينَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ،وَمَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِ،فَقَالَ:إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأُذُنِ زَيْدٍ فَقَالَ:"هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللَّهَ بِأُذُنِهِ"وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الَّذِي كَانَ مِنْ أَبِيهِ"" [1] .
وقَالَ ابْنُ زَيْدٍ،فِي قَوْلِ اللَّهِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ قَالَ:كَانَ الْمُنَافِقُونَ يُسَمُّونَ الْمُهَاجِرِينَ:الْجَلَابِيبَ؛وَقَالَ:قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ:قَدْ أَمَرْتُكُمْ فِي هَؤُلَاءِ الْجَلَابِيبِ أَمْرِي،قَالَ:هَذَا بَيْنَ أَمَجٍ وَعُسْفَانَ عَلَى الْكَدِيدِ تَنَازَعُوا عَلَى الْمَاءِ،وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ قَدْ غَلَبُوا عَلَى الْمَاءِ؛قَالَ:وَقَالَ ابْنُ أُبَيٍّ أَيْضًا:أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ لَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ:لَا تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ،لَوْ تَرَكْتُمُوهُمْ مَا وَجَدُوا مَا يَأْكُلُونَ،وَيَخْرُجُوا وَيَهْرُبُوا؛فَأَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ ابْنُ أُبَيٍّ ؟ قَالَ:"وَمَا ذَاكَ ؟"فَأَخْبَرَهُ وَقَالَ:دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .قَالَ:"إِذًا تَرْعَدُ لَهُ آنَفٌ كَثِيرَةٌ بِيَثْرِبَ"قَالَ عُمَرُ:فَإِنْ كَرِهْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَقْتُلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ،فَمُرْ بِهِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ،وَمُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَيَقْتُلَانِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ،ادْعُوا لِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ".فَدَعَاهُ،فَقَالَ:"أَلَا تَرَى مَا يَقُولُ أَبُوكَ ؟"قَالَ:وَمَا يَقُولُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ؟ قَالَ:"يَقُولُ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ"؛فَقَالَ:فَقَدْ صَدَقَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ،أَنْتَ وَاللَّهِ الْأَعَزُّ وَهُوَ الْأَذَلُّ،أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ قَدِمْتَ الْمَدِينَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ،وَإِنَّ أَهْلَ يَثْرِبَ لَيَعْلَمُونَ مَا بِهَا أَحَدٌ
(1) -جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (31648 ) صحيح مرسل