وَهَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ هُمُ الذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ:لاَ تُنْفِقُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَأَصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ فَيَتَحوَّلُوا عَنْكُمْ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ،وَيَنْفَضَّ عَنْ مُحَمَّدٍ مَنْ حَوْلَهُ إِذَا عَضَّهُمْ الجُوعُ.وَهَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ جَاهِلُونَ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ مَالِكُ جَمِيعِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ،وَبِيدِهِ مَفَاتِيحُ أَرْزَاقِ العِبَادِ فَلاَ يَصِلُ شَيءٌ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلاَّ بِمَشِيئَةِ اللهِ،وَلِذَلِكَ قَالُوا هَذَا القَوْلَ .
وَيَقَولُ هَؤُلاَءِ المَنَافِقُونَ:إِذَا رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ فَإِنَّنَا سَنُخْرِجُ المُؤْمِنِينَ مِنْهَا،لأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنْفُسَهُمْ هُم الأَقْوِيَاءَ الأَعِزَّاءَ فِيهَا لَكَثْرَةِ جَمْعِهِمْ،وَوَفْرَةِ مَالِهِمْ،وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ ضِعَافٌ قَلِيلُو العَدَدِ .
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ قَائِلًا:إِنَّ العِزَّةَ للهِ وَحْدَهُ،فَهُوَ ذُو الجَلاَلِ والعِزَّةِ،ثُمَّ تَكُونُ العِزَّةُ مِنْ بِعْدِهِ لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ - صلى الله عليه وسلم - ،ثُمَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الذِينَ يَسْتَغِزُّونَ بِعِزِّ اللهِ،وَبِنَصْرِهِ،فَهُمْ أَعِزَةٌ بِذَلِكَ،وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَيَظُنُّونَ أَنَّ العِزَّةَ بِوَفْرَةِ المَالِ وَكَثْرَةِ النَّاصِرِ . [1]
إن المنافقين كانوا يجيئون إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فيشهدون بين يديه برسالته شهادة باللسان،لا يقصدون بها وجه الحق،إنما يقولونها للتقية،وليخفوا أمرهم وحقيقتهم على المسلمين.فهم كاذبون في أنهم جاءوا ليشهدوا هذه الشهادة،فقد جاءوا ليخدعوا المسلمين بها،ويداروا أنفسهم بقولها.ومن ثم يكذبهم اللّه في شهادتهم بعد التحفظ الذي يثبت حقيقة الرسالة: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ» .. «وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» .والتعبير من الدقة والاحتياط بصورة تثير الانتباه.فهو يبادر بتثبيت الرسالة قبل تكذيب مقالة المنافقين.
ولو لا هذا التحفظ لأوهم ظاهر العبارة تكذيب المنافقين في موضوع شهادتهم وهو الرسالة.وليس هذا هو المقصود.إنما المقصود تكذيب إقرارهم فهم لا يقرون الرسالة حقا ولا يشهدون بها خالصي الضمير! «اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً» ..وهي توحي بأنهم كانوا يحلفون الأيمان كلما انكشف أمرهم،أو عرف عنهم كيد أو تدبير،أو نقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين.كانوا يحلفون ليتقوا ما يترتب على افتضاح أمر من أمورهم،فيجعلون أيمانهم وقاية وجنة يحتمون وراءها،ليواصلوا كيدهم ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 5067)