على طاعة أو معصية، فإذا كانت طاعة تقدمت، وإذا كانت معصية تأخرت. هذا حال خواص المحبين، فافهموا يرحمكم الله هذا؛ فإنه من دقائق أسرار التوحيد الغامضة، وإلى هذا المقام أشار صلى الله عليه وسلم في خطبته، لما قدم المدينة، حيث قال: (( أحبوا الله من كل قلوبكم ) ).
وقد ذكرها ابن إسحاق وغيره، فإن من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه فراغ لشيء من إيرادات النفس والهوى، وإلى ذلك أشار القائل بقوله:
أروح وقد ختمت على فؤادي ... بحبك أن يحل به سواك
فلو أني استطعت غضضت ... طرفي .. إلى آخر الأبيات
متى بقي للمحب من نفسه حظ فما بيده من المحبة إلا الدعوى، إنما المحب من يفنى عن نفسه كله ويبقى بحبيبه، فبه يسمع، وبه يبصر، القلب بيت الرب. وفي الإسرائيليات يقول الله: ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبد مؤمن. فمتى كان القلب فيه غير الله، فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمة أصنام الهوى، الحق تعالى غيور يغار على عبده المؤمن أن يسكن في قلبه سواه، وأن يكون فيه شيء لا يرضاه. أردناكم صرفا [أبيات من الشعر]
لا ينجو غدا إلا من لقي الله بقلب سليم ليس فيه سواه، قال الله تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 88 ـ 89] .
ــــــــــــــــ
الشرح:
استشهد المؤلف في هذا المقام بأن كمال المحبة يقتضي كمال الطاعة،