أقول: الكلام في هذه المسألة يطول (1) ، والذي يهمنا في هذا المقام أنه لم يقل أحد ممن يعرف ما يخرج من رأسه أن معنى التدبر نقض كلام المفسرين وضرب إجماعهم عرض الحائط كما صنع المؤلف -هداه الله وأصلحه- ، وإنما المقصود بالتدبر الاعتبار بما في آي القرآن من المواعظ و البينات (2) .
ومن وجهة نظري أنَّ هذا الرد كافي لإسقاط الكتاب ، وأنه لا يساوي ما كتب به من ورق ، لأنه من رجل أجنبي عن هذا العلم ، كما لو كتب مهندسٌ كتابًا في الطب ينقض فيه ما كتبه أهل الفن سلفًا وخلفًا ، ويأتيهم بأمرٍ لا يعرفونه ، بل ينكرونه ويأبونه .
إنَّ الردود على مثل هذه الكتابات تعطيها قيمة لم تكن لتكسبها لولا هذه الردود .
إننا في هذه الأيام قد بُلينا بأقوامٍ لا يعرفون من دين الله ما تصح به عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم ، بل لا يحسنون قراءة القرآن الكريم ، ولا يكتفون بذاك ، بل يتكلمون في القضايا الشرعية الجليلة ، و كبريات المسائل العلمية التي تتعلق ربما بمصير الأمة ، ويخطّئون الراسخين في العلم ، بل ويقدحون في دينهم لأنهم رجحوا قولًا ما ، أو أفتوا بواقعة ما تخالف هواهم .
فهذا طبيبٌ نفسيٌّ يخطئ الأمة أجمع ، وذاك عالم في الطبيعة يسخر من مفسرين الإسلام ويتهمهم بالسذاجة ، وآخر يتطاول على الفتيا ولم يشم رائحة العلم ، وخير مثال لهذا العبث ما يعرض في عامة القنوات الفضائية من جرأة على دين الله وكتابه ، فإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
(1) أنظر: مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط و التدبر والمفسر د.مساعد الطيار (185) وما بعدها فقد تكلم عن المسألة كلامًا نفيسًا.
(2) من كلام الطبري في مقدمة تفسيره .نقلًا عن المصدر السابق.