من المسائل المتقررة عند أهل العلم أن السلف إذا اختلفوا في تفسير الآية على قولين أو أكثر لم يجز لمن بعدهم إحداث قول جديد يخرج عن قولهم (1) ؛ لأن ذلك بمثابة الإجماع منهم على بطلان ما خرج من أقوالهم.
وبيان ذلك أنًّ تجويز القول الجديد يؤدي إلى تخطأت الأمة ، سيما إذا رجحنا ذلك القول المحدث.
وهذا ممتنع ؛ لأنه ينسب الأمة كلها إلى الخطأ ، وأن يخلو العصر من قائم لله بالحجة .
وهذا التفسير للأحرف المقطعة فيه إحداث قول لم يقل به أحد ، فهو خرق لإجماع المسلمين ، وسلك طريقٍ غير طريقهم، وفيه نسبة الأمة للخطأ ، وتضييع للحق وإهماله .
وقد قال الله تعالى { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } (2) قال المزني والربيع:"كنا يوما عند الشافعي إذ جاء شيخ فقال له: أسأل. قال الشافعي:سل. قال: إيش الحجة في دين الله.فقال الشافعي:كتاب الله .قال: وماذا .قال: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .قال: وماذا. قال: اتفاق الأمة. قال: ومن أين قلت اتفاق الأمة من كتاب الله. فتدبر الشافعي رحمه الله ساعة. فقال الشيخ: أجلتك ثلاثة أيام فتغير لون الشافعي ، ثم إنه ذهب فلم يخرج أيامًا قال: فخرج من البيت في اليوم الثالث فلم يكن بأسرع أن جاء الشيخ فسلم فجلس فقال:حاجتي فقال الشافعي رحمه الله: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عز وجل: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } لا يصليه جهنم على خلاف سبيل المؤمنين إلا وهو فرض قال: فقال: صدقت . وقام وذهب قال الشافعي: قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه" (3) .
(1) يراجع في ذلك كتاب قواعد التفسير د. خالد بن عثمان السبت (1/200) .
(2) سورة النساء (115) .
(3) أحكام القرآن - الشافعي ( 1/40) .