د. أكرم حجازي
بدون عواطف أو مكابرات فإن أغلب الذين تابعوا أو قرؤوا خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي وجهه إلى العالم الإسلامي (القاهرة 4/ 6/2009) أصيبوا بمشاعر مختلطة وهجينة تجاه قوة الخطاب وأطروحاته. وبالمقارنة مع ما ألفه العرب والمسلمون من خطابات وأطروحات وسياسات أمريكية عنصرية متغطرسة وشريرة وعدوانية سابقة بدا المشاهد كمن وقع عليه السحر للمرة الأولى فلا هو مصدق ولا هو مكذب ولا هو بقادر على استعادة وعيه. لكن كما يقال في المأثورات أصعب ما في البديهيات توضيح الواضحات. فالذين يقولون مثلا لا جديد في الخطاب لهم مبرراتهم ومنطقهم والذين يقولون أن الجديد فقط في اللغة لهم أيضا منطقهم والذين ربطوا الخطاب بالأفعال لديهم ما يقولون، والذين رفضوا الخطاب جملة وتفصيلا وقبل أن يظهر كما هو حال السلفية الجهادية فلهم أيضا دوافعهم. أما الذين رحبوا في الخطاب فعندهم الكثير ليقولوه والذين صرخوا إعجابا وحبا بأوباما لديهم الحق فيما فعلوه، والذين يرومون بقاء الأمور على حالها ويبغونها عوجا سيروقهم الخطاب ولا شك. وأكاد أجزم أن الخطاب سيتحول لاحقا إلى نموذج ثقافي على شاكلة التراث الماركسي والإغريقي حيث سيجد كل ضالته فيه حتى المشعوذين.
لكن المزعج في الأمر تلك التعليقات الخشبية التي تتعامل مع الخطاب من منطلقات أيديولوجية أكل عليها الدهر وشرب أو ذات الثقافة اللامبالية فيما يدور من حولها أو تلك التي تكتفي بمصدر الخطاب لتحكم عليه بقطع النظر عن محتواه. وقبل أن نتطرق إلى الجديد في الخطاب والتفتيش عن الفوارق في الخطاب بالنظر إلى أطروحات أو سياسات أمريكية سابقة سنتوقف عند ما يسمى اليوم بظاهرة أوباما.
ثمة أفلام هوليودية خيالية تتنبأ بقدوم نوع متفوق من البشر يتشكل من جينات مختلفة تجمع بين القوة الأسطورية والذكاء الخارق. هذا النوع رغم قوته الجبارة إلا أنه ليس عدائيا ولا شريرا. أما أوباما فما أن ترشح وفاز في الانتخابات الأمريكية حتى بدا، بامتياز، وكأنه واحد من هذا النوع. فالغالبية الساحقة في العالم رقصوا لانتخابه وانبهروا لحفل التنصيب الأسطوري له وأعجبوا ببلاغة الرجل ولباقته وكاريزميته الطاغية وفلسفته وأطروحاته. ولو فككنا شخصيته لأجزاء متناثرة، بالنظر إلى سيرته العلمية والسياسية، فسيجد ضالته كل من يرغب أن يكون له جزء منها. فهو أسود وأبيض، مسلم ومسيحي،، يهودي وغير يهودي، أفريقي وأمريكي، آسيوي وأوروبي، شرقي وغربي، شمالي وجنوبي، رئيس ومواطن، مثقف وبسيط، يساري ويميني، صديق وساخط، طموح ومحبط. هو