الصفحة 6 من 21

في كل تاريخ أمريكا لم تكن عهود الحكم الجمهوري إلا حقبا مستمرة من سفك الدماء والإبادة والعنصرية والغطرسة والتخويف داخل أمريكا وخارجها. ولم تكن حقبتهم الأخيرة بزعامة بوش الابن إلا ذروة التجسس على الداخل قبل الخارج وذروة المضايقات وذروة التشريع لقوانين لإرهاب وذروة التخويف التي سلطوها حتى على مواطنيهم وأحزابهم وبني جلدتهم بحجة الأمن وحماية أمريكا والشعب الأمريكي. لكن ماذا عساهم يبرروا سطوتهم فيما يتعلق بالفساد والنصب والاحتيال وانهيار النظام الرأسمالي؟ وكيف سيجيبوا مواطنيهم على حملات التهديد المستمرة لهم بالمشاركة في حروبهم الظالمة وممارسة الابتزاز وتجنيد المرتزقة واستغلال المهاجرين غير الشرعيين لقاء جواز سفر أو الطرد من البلاد؟ ماذا عساهم أن يجيبوا على تراجع الدين في البلاد وبدء الحديث عن مخاطر ارتفاع نسبة من يسمونهم اللامنتمون دينيا وهم من يتحدثون عن حروب صليبية ويتلقون الوحي من السماء بدلا من الكنيسة التي من المفترض أنها راعية الدين؟ ماذا عساهم أن يجيبوا على خسائرهم الفادحة في أفغانستان وخاصة في العراق التي كادت تودي بهم إلى غير رجعة لولا أن وجدوا من تطوع لإنقاذهم من هزيمة العصر؟

لم يكن خطاب أوباما للعالم الإسلامي إلا جزء من مشروع تغيير شامل يستهدف إيجاد حلول للمسائل الاجتماعية الكبرى التي عصفت بأمريكا على امتداد قرون وغدت تتراكم ككرة الثلج منذرة بانفجارات اجتماعية في يوم ما قد لا يكون بعيدا إذا استمرت دون معالجة. فلم يعد للمواطنة ولا للدين ولا للإبداع ولا للأخلاق أية معايير يمكن الركون إليها سوى العنصرية وأحط القيم الإنسانية التي تفرزها المادة كسلعة قابلة للمتاجرة والخضوع لقيم السوق. ولم يعد أحد قادر على مواجهة ما يمكن تسميته بامتياز"طغمة المحافظين"المسعورة التي قدمت مصالحها على كل قيمة في الولايات المتحدة وخارجها وأرعبت كل من يواجهها وتسببت بتفعيل حاد لمعايير الانقسام على أسس الدين والثروة والثقافة واللون والجنس .... طغمة مارست شتى أنواع النفاق والاستغلال والكسب غير المشروع والكذب والمراهنات المالية على الانهيارات الاقتصادية والبنكية حتى في ذروة الأزمة الاقتصادية العالمية التي تسببت هي نفسها بوقوعها وجندت معها حتى قوى المال العالمية ليخرج علينا مدير البنك الدولي بكل صفاقة واستخفاف قائلا بأن علينا أن نتعايش مع غلاء الأسعار حتى العام 2015! وكأن القدر أمريكي الهوية!

كل العالم فردا فردا ما زال يدفع ثمن جنون المحافظين وحلفائهم من مجرمي الرأسمالية العالمية التي لا يضيرها حتى ما يحيق بمواطنيها. في هذه السياقات يأتي مشروع أوباما صدى بصريح القول لأزمة نظام وصل إلى طريق مسدود يهدد حتى الولايات المتحدة من الداخل بأوخم العواقب. وكان من الطبيعي أن تلاقي أطروحات أوباما الاجتماعية دعما وتأييدا من القوى الاجتماعية أكثر مما لاقته من القوى السياسية والاقتصادية المدانة اجتماعيا مهما بلغت من التنظيم في صورة مؤسسات وجماعات ضغط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت