الصفحة 17 من 21

الأكيد أن الكثير ممن يجهلون حقائق الأمور، وممن في قلوبهم مرض، ومن الذين يحبونها عوجا سيجدون في استشهادات أوباما ضالتهم بحيث يكون سهلا عليهم القول أن:"في الرجل خير فلنعطه فرصة"! خاصة وأن"الرجل"لا يطالب إلا بمنحه فرصة، إذ قال في مقابلته مع قناة العربية (27/ 1/2009) :"في نهاية المطاف، سوف يحكم الناس ليس على أقوالي بل على أفعالي". ولسنا هنا في معرض المناقشة الشرعية لخطاب أوباما، فللأمر أهله، لكن يكفي أن يدرك هؤلاء وأمثالهم أن الشيفرة الأمنية التي تداولها الطاقم الأمني الأمريكي الذي وصل إلى القاهرة للإعداد للزيارة كان يستعمل في اتصالاته لفظة"المرتد"للدلالة على أن المقصود هو الرئيس أوباما.

لا شك أن أوباما يعلم بشيفرته جيدا، وأن الشيفرة راقته لما فيها من السحر، فهو قادم لمخاطبة العالم الإسلامي والثناء عليه وعلى تاريخ الحضارة الإسلامية لكن كمرتد لا كمسلم. ويا لها من مفارقة!!!! فما الذي يمكن أن ينتظره العالم الإسلامي من مرتد افتتن البعض بخطابه لدرجة أنه اعتقد كما لو أنه"حاج"يخفي إسلامه؟

ثانيا: التطرف بدلا من الإرهاب

لما أعلنت الولايات المتحدة بزعامة جورج بوش الابن حربا على ما أسمته الإرهاب العالمي رفعت شعار"من ليس معنا فهو ضدنا". وكان مرفوضا من العالم الإسلامي أن يعترض ولو بـ"لكن"استفهامية، فالمعادلة واضحة ولا تحتاج إلى تفسيرات ولا اعتراضات، وكل الإسلام يجب أن يتنحى لصالح المعادلة أو ضدها. ومع مجيء أوباما أعلن الرجل في استانبول والقاهرة وعبر وسائل الإعلام"أن أمريكا ليست ولن تكون أبدا في حالة حرب مع الإسلام". لكن إسقاط لفظة"الإرهاب"من الخطاب واستبدالها بلفظة"التطرف"لم تكن منّة أمريكية ولا كرم أخلاق من أوباما بقدر ما كانت تخفيفا لحالة الاحتقان الرهيبة في العالم الإسلامي. إذ أن لفظة"الإرهاب"المسجلة برسم المحافظين الجدد استعملت ضد الإسلام عقيدة ودعوة، وتاريخا وحضارة، وطقوسا وعبادات، ومؤسسات وفعاليات، وأحزاب وجماعات ... لكن استعمال كلمة"تطرف"ستبدو أقل عدائية وأكثر قبولا خاصة وأنها إحدى التوصيفات الشائعة سياسيا وأمنيا وحتى أكاديميا. وهنا سؤال مهم: لماذا تخلى الخطاب عن اللفظة واستبدلها بأخرى؟

على الأرجح أن المسألة ذات طابع أمني بامتياز. فالرئيس الأمريكي لا يريد أن يُفهم من حربه على أنها حرب ضد الإسلام والمسلمين بل ضد فئة معينة هي القاعدة ومن يدور في فلكها. لذا فإن كلمة"التطرف"، كبديل عن محاربة الإرهاب، يمكن حصرها بهذه الفئة وتمريرها بسلاسة لاسيما وأنها تحقق من الفوائد أكثر مما تحققه معادلة الاختيار (معنا أو ضدنا) خاصة وأنها ترفع الحرج عن الأصدقاء وحتى عن أولئك الذين تتقاطع مصالحهم مع الأطروحة الأمريكية. إذ أن كلمة"الإرهاب"كانت مؤذية لدرجة أسقطت من استخدمها وفضحت أطروحات كثيرة حين إخضاعها لعقيدة الولاء والبراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت