الحميمين ومع خصومه على السواء. لكن خطاب القاهرة امتلأ بالمتناقضات العجيبة والأطروحات الشرطية والإملاءات رغم أنه خضع للرقابة من عشرات المفكرين والخبراء والسحرة البارزين. والسؤال: كيف يمكن عرض"الصراحة"كمبدأ في الحوار بينما تشترط منهجية الخطاب على العالم الإسلامي تجاوز الماضي؟ فهل ثمة مواضيع يمكن مناقشتها بـ"صراحة"دون أن يكون لها جذر ومتن؟ لنستطلع بعض معالم السحر والصراحة على حقيقتها.
لسنا نزعم أننا أصحاب دول متقدمة أو"مستورة"، فالحقيقة التي لم نعد نخجل منها أن الغالبية الساحقة من دول العالم الإسلامي هي دول ومجتمعات متخلفة وفقيرة وشبه معدمة. وتحكمها أنظمة سياسية موغلة في الجهل والديكتاتورية وحتى الوحشية. ومع ذلك تتلقى وفود الدول الأمريكية والغربية لدى زيارتها بلداننا تعليمات بالثناء على البلد والشعب المضياف مشفوعة بتصريحات تشيد بالتقدم الحاصل في القطاعات المختلفة والإنجازات المتحققة، وتبدي إعجابها بحكمة الحكام ونضج الحكومات لدرجة تبهر الوفد الزائر بمدى الرشد الذي وصل إليه البلد! أما لماذا تتلقى الوفود مثل هذه التعليمات فلأن المجاملات تروقنا وتضفي المزيد من الشرعية على الوضع القائم.
هذا بالضبط ما تلقاه أوباما من بعض الخبراء الذين نصحوه في الاستشهاد ببعض الآيات في القرآن الكريم والثناء على الحضارة الإسلامية ودور الإسلام في نهضة البشرية إلى حد أنه غدا"جزء من قصة أمريكا". لذا فقد أبهر أوباما، في خطابه، الحضور وهو يقدم نفسه، عبر فقرة مدهشة، كرئيس قادم من بلاد بعيدة، مثنيا على عراقة جامعتي القاهرة والأزهر ودورهما كمنارات في العلوم والرقي، رغم أنه من بين 500 جامعة في العالم لم تكن ثمة جامعة عربية واحدة، ومعربا عن امتنانه لحسن الضيافة وحفاوة شعب مصر. وما أن بدأ خطابه بعبارة"السلام عليكم"حتى قامت القاعة ولم تقعد، فالرجل يتحدث العربية وليس الإنجليزية فقط، ويلقي على المسلمين تحية الإسلام.
وهكذا لاقت استشهاداته ببعض آيات القرآن الكريم ابتهاجا لدى حتى بعض المشايخ ممن احتجوا على خصومهم بأن الرجل يتحدث بقرآننا وهذا تعبير، حسب رأيهم، عن احترامه لديننا ونبينا بخلاف الذين انتهكوا حرمة ديننا ونبينا. ولعل حججهم لم تخل من النشوة وهم يقرؤون ردود فعل بعض الكتاب الغربيين ممن توقفوا عند استشهاد أوباما بحادثة الإسراء والمعراج وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في المسجد الأقصى. فبالنسبة لهؤلاء فقد استغربوا على نصراني أن يفعل هذه الفعلة خاصة وأن النصارى لا يعترفون قط بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا بالوحي. وبدا أن ما فعله أوباما هو اعتراف بالنبوة واعتراف بالوحي، بما يكفي لانتقاده عند بني جلدته وعقيدته بينما هو مدعاة للفرح عند من ظنوا أنه إعادة اعتبار للإسلام. وهكذا أيضا بات أوباما وكأنه بابا الفاتيكان معتذرا أو كمن شده الحنين إلى عقيدته الأولى!