مشكلة الخطاب أنه يريد منا عدم التفكر في الماضي! أما أوباما فمن حقه أن يتذكر 11 سبتمبر جيدا، لكنه يتناسى تماما، ويريدنا أن ننسى كون الإدارات الأمريكية استعملت حق الفيتو في مجلس الأمن، ظلما وزورا وعدوانا، 36 مرة في 41 عاما ضد القضية الفلسطينية والقضايا العربية. وأن هذا يعني أن الولايات المتحدة وقفت وحدها في مجلس الأمن ضد الإجماع الدولي ومنعت إدانة إسرائيل 36 مرة. وينسى أوباما أن الولايات المتحدة رفضت حتى قرار محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل. وينسى أن إسرائيل حليف استراتيجي لأمريكا وتلتزم بأمنها ومصيرها أكثر مما تلتزم بأمن ومصير الولايات المتحدة. هذه هي الحقيقة التي يشهد عليها العالم الإسلامي وتشهد عليها المؤسسات الدولية قاطبة.
يرى الرئيس الأمريكي أن من حق بلاده أن تدافع عن أمنها ومصالحها، لذا فقد ذهبت إلى أفغانستان وخاضت ما يسميه أوباما بـ"حرب الضرورة"، بينما ذهبت إلى العراق بـ"اختيارها"! ولا ندري لماذا لا يكون الرئيس الأمريكي صريحا ويعترف بأن مقياسه هذا يصلح لإسقاطه على هجمات 11 سبتمبر التي كانت هي الأخرى بمثابة"حرب الضرورة"لدى المسلمين أو بعضهم؟ فالذين ضربوا أمريكا كانت لهم أسبابهم أيضا في اختيارها دون غيرها، وإلا فلماذا لم يختاروا اليابان مثلا أو بريطانيا صاحبة وعد بلفور أو حتى إسرائيل نفسها؟ ولماذا يتحمل المسلمون في العراق حربا اختيارية بنيت على الكذب ورغم أنف المجتمع الدولي ولا يتلقون حتى مجرد اعتذار؟ ومن المسؤول عن القتل والاغتصاب وعمليات النهب والفتك الحضاري في العراق؟ ومن سيعوض مسلمي العراق عن الخسارات الفادحة التي تعرضوا لها في الأرواح والممتلكات والتاريخ والحضارة؟
أما المشكلة في باكستان والصومال فلا تختلف كثيرا. فالحرب الدائرة هناك على سوات ووزيرستان هي حرب ضد الشريعة من ألفها إلى يائها، وحرب أمريكية بالوكالة. وعلى الرئيس الأمريكي أن يقول قولا سديدا ويكون صريحا أكثر في تحديد هوية الحرب وإلا فإن تمييع الأمور لن يجدي. فالمسلمون يعلمون علم اليقين، بغض النظر عن مواقف القوى الصومالية، أن مصادقة الرئيس الصومالي على تطبيق الشريعة ليس سوى ذرا للرماد في العيون بالقياس، فقط إلى معارضة أمريكا الشديدة لاتفاق تطبيق الشريعة ذاتها في وادي سوات وفرض الضغوط على الحكومة الباكستانية لحسم الموقف عسكريا مع القوى الإسلامية. فهل ينتظر الرئيس الأمريكي من المسلمين أن يقبلوا بهذه الازدواجية البغيضة؟
لم يدرك الذين نقحوا الخطاب أيضا أنهم أوقعوا رئيسهم بورطة أعظم لمّا أشاروا عليه الاستشهاد بالآية الكريمة:"من قتل نفسا بغير حق أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"للتدليل على"المتطرفين"كقتلة وفسدة في الأرض. فإذا كان الرئيس الأمريكي راغبا، حقا، في الصراحة فعليه أن يعلم أن بلاده آخر من يحق لها تقديم الوعظ أو التحدث عن الإصلاح. والتاريخ الأمريكي منذ اكتشاف القارة وتأسيس أمريكا هو تاريخ من القتل والدم والإبادة للشعوب والجماعات والأفراد ابتداء من أمريكا وانتهاء بشتى