الشراكة والديمقراطية
لا شك أن مفهوم"الشراكة"شكل جوهر الخطاب وحجر الأساس في أية علاقة قادمة بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة. ففي خطاب التنصيب عرض أوباما على العالم الإسلامي"مقاربة جديدة ترتكز على أساس المصلحة والاحترام المتبادلين". وفي خطابه في القاهرة قال:"يجب معالجة مشاكلنا بواسطة الشراكة كما يجب أن نحقق التقدم بصفة مشتركة". لكن ما هي الشراكة التي يطرحها أوباما؟ وما هي مضمونها؟ وأية علاقة للديمقراطية بها؟
أول تطبيقات مصطلح الشراكة كان من نصيب أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ثم اليابان وما يسمى، فيما بعد، بنمور آسيا. ولمن هو على صلة بالمفهوم، تاريخيا وواقعيا، يعلم جيدا أنه تمخض عنه تقاسم للنفوذ السياسي في العلاقات الدولية بين القوى الكبرى حصلت بموجبه خمس دول على حق النقض فيما تم تجاهل باقي دول العالم الأخرى. بالنسبة لأوروبا وحدها فقد حصلت على مقعدين دائمين في مجلس الأمن، والاتحاد السوفياتي ومن بعده الصين حصل كلا منهما على مقعده الدائم. وباتت العلاقات الدولية رهينة بيد هذه القوى الكبرى دون غيرها. فالقانون والقرارات والتشريعات ومسائل الأمن والسلم والحروب والاقتصاد والتجارة والمال والإعلام وحقوق الإنسان كلها وغيرها مسائل تهيمن عليها مجموعة القوى المتنفذة في العالم بصورة مباشرة. إنْ هي إلا قسمة ضيزى لم يكن للعالم الإسلامي حظ منها إلا التقسيم والتفكيك والاغتصاب والاحتلال والنهب والخداع والقتل والتخريب والتدمير وهدم نظام الخلافة وزرع إسرائيل في قلب الأمة والحيلولة دون حقوقه أو تقدمه علميا واقتصاديا وسياسيا ولو خطوة واحدة ...
على المستوى الاقتصادي مثلا حظيت أوروبا، بما فيها دول المحور الثلاث إيطاليا وألمانيا والنمسا، بعد الدمار الذي لحق بها بشراكة سخية تمثلت بمشروع مارشال لإعادة بنائها، وصارت ضمن النظام المالي والاقتصادي والتجاري والإعلامي المحتكر لأكبر القوى المصنعة والمنتجة عالميا. وسياسيا تحررت أوروبا من القوى الفاشية والنازية وباتت جزء من المنظومة الليبرالية القائمة على حق التعبير وتداول السلطة سلميا عبر النظام الديمقراطي والانتخاب الحر لتحظى بلقب المجتمعات الحرة، واجتماعيا تمتعت بقدر متفوق من الخدمات والرعاية في الصحة والتعليم والإسكان والعمل وحزم التأمينات والتمويل، وسعة في وسائل ونظم وتقنيات الاتصال والإعلام. واستراتيجيا تمتعت أوروبا الغربية بحماية أمريكية شاملة ضد المنظومة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتي. وفي وقت لاحق امتدت الشراكة الغربية إلى بعض الدول الآسيوية كاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونغ وتايوان.
ولفهم الشراكة كمسألة يمكن صناعتها بامتياز نسوق الصين كمثال حي. فحتى نهاية الثمانينات كانت الصين متهمة، على الدوام، بانتهاك حقوق الإنسان. وكانت أجندة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان لا تخلو من هذا البند في كل مناسبة في إطار الحرب على الشيوعية. فما كان من الصينيين إلا أن اقترحوا على الأمريكيين والغربيين رفع الحظر عن سفر الصينيين إلى خارج البلاد وفتح حدودهم لاستقبال مئات الملايين من المنشقين كما يحلو للغربيين وصف المعارضين لأنظمتهم السياسية. ومنذ ذلك الحين توقفت النغمة الأمريكية والغربية عن انتقاد