الصفحة 4 من 21

بيروسترويكا أوباما

من حق الجميع أن يرفض أو يؤيد خطاب أوباما. لكن ليس من حق أحد أن يتجاهل قيمة الخطاب لكونه لا يستجيب لطموحاته ومطالبه أو لأنه لم يتوقف عندها بما فيه الكفاية أو لأنه لم يكن منصفا أو لأنه لم يكن واضحا. كما أن حصر الخطاب بالاحتياجات الأمريكية واعتباره مجرد حملة علاقات عامة لتحسين الصورة المتداعية لأمريكا خارجيا ليس كافيا للإعراض عن الخطاب أو مانعا من التعمق به والبحث عن خفاياه. إذ أن استشراف مستقبل المنطقة في ضوء انتخاب أوباما والسياسات الأمريكية الجديدة توجب على كل مراقب التوقف عند الخطاب طويلا جدا ليس بوصفه خطابا سياسيا تقليديا بقدر ما هو مشروع تاريخي يجد صداه بالدرجة الأساس في المجتمع الأمريكي وفي فلسفة أوباما ذاتها التي تبنت التغيير في الولايات المتحدة أولا بحيث يبدو الخطاب في حقيقته مجرد انعكاس لجزء من الصورة وليس استثناء.

تشبه خطوات أوباما وآليات عمله في بعض جوانبها ما فعله ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفياتي في بلاده. ففي عام 1986 عين غورباتشوف رئيسا لدائرة أوربا في الخارجية السوفياتية، وعلى الفور تلقى دعوة لزيارة بريطانيا استقبل خلالها من قبل مارغريت تاتشر استقبال الأبطال. وكان لتاتشر، المنبهرة بغورباتشوف إلى حد الثمالة، تصريحا لافتا في حينه وهي تقول:"هذا هو الرجل الذي يستطيع الغرب أن يتعامل معه". بعد سنتين من الزيارة، وبصورة مفاجئة، تولى غورباتشوف رئاسة الاتحاد السوفييتي (56 سنة) في دولة اعتادت ألا يقل سن زعيمها عن سبعين عاما. وكان أبرز ما أعلن عنه تبنيه لسياسة البريسترويكا (إعادة البناء) والجلاسنوست (الشفافية والانفتاح) التي كانت كقطرة أودت بالاتحاد السوفياتي إلى غير رجعة في بضع سنين لم تزد عن أربعة.

فالحقيقة الصارخة أن كتابات أوباما"أحلام أبي .. قصة عرق وإرث - 1995"و"جرأة الأمل - 2006"وخطاباته التي ساقها في حملاته الانتخابية لم تكن إلا انعكاسا لوضع داخلي مأزوم يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه داخليا وخارجيا على السواء. فأزمة الرهن العقاري كشفت، في الواقع، عن نظام اقتصادي واجتماعي وأخلاقي وسياسي وديني وإنساني وصل إلى طريق مسدود. أزمة نظام توارت خلفه لعقود طويلة من الزمن إن لم يكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت