الصفحة 5 من 21

لقرون أقسى قيم الغطرسة والاستعلاء والوحشية ضد البشر وضد الطبيعة وضد العلاقات الإنسانية. أزمة لم تكن، في الحقيقة، سوى القطرة التي أفاضت الكأس وفضحت النظام الرأسمالي.

إذن ثمة شبه كبير في الظروف وفي السياسات وفي الأفكار بين ما يعرضه أوباما وبين ما عرضه غورباتشوف قبل وبعد وصولهما إلى السلطة. فكلاهما عبر، في أطروحاته، عن مآزق اجتماعية واقتصادية وسياسية. ولا ريب أن الظروف الراهنة التي تمر بها الولايات المتحدة والعالم تبرر إلى حد ما طرح السؤال: هل سيكون انتخاب أوباما كذات القطرة التي هدمت الاتحاد السوفياتي أو تلك التي فضحت النظام الرأسمالي بحيث تهوي سياسات وأطروحاته بالمارد الأمريكي؟ أم سينجح العطار في إصلاح ما أفسده الدهر؟

منذ خمسينات القرن العشرين والجمهوريون يجهدون بجنون للوصول إلى السلطة في الولايات المتحدة لتنفيذ مشروعهم العنصري والمدمر للبشرية وفي القلب منه المسلمون، وكانت فرحتهم عظيمة بوصول رونالد ريغان إلى السلطة سنة 1981، والذي استقبلته أمريكا وأوروبا والحركة الصهيونية استقبال الفاتحين، فلم يتخلوا عن السلطة إلا باحتلال بيروت وتدمير العراق وضرب ليبيا واحتلال جزيرة غرينادا واعتقال الرئيس البنمي مانويل نورييغا وتفكيك الاتحاد السوفييتي وحصار العالم الإسلامي ونهب ثرواته وتدمير اقتصاداته وإحكام الطوق عليه. ولم تكن السنوات الثماني من حكم الديمقراطيين برئاسة بيل كلينتون إلا استراحة محارب لما بات يعرف بالمحافظين الجدد حتى إذا ما جاءت انتخابات العام 2000 عاد هؤلاء مجددا في صيغة أشبه بانقلاب عسكري أوصلهم إلى رأس السلطة بزعامة جورج بوش الابن بفارق بضع مئات من أصوات غالبية أصحابها من المسلمين في ولاية فلوريدا!

من عجائب القدر أن فوجئ هؤلاء ممن ظنوا أن الطريق خالية لتنفيذ مشاريعهم بتيارات السلفية الجهادية وهي تتحدى وتدك بفعالياتها الهجومية المدمرة رموز القوة الأمريكية في واشنطن ونيويورك واليمن وكينيا. وبدأت المواجهات والحرب الصليبية بين العالم الإسلامي والغرب، كما أعلنها بوش وقادة الغرب وقساوسته، تدور رحاها في أكثر من جبهة ابتداء من أفغانستان وباكستان مرورا في العراق والصومال وساحات العواصم الأوروبية. وكلما اشتدت المواجهات كلما تعالت أصوات الخوف والرعب الأمريكية من الاستنزاف الاقتصادي والبشري خاصة في الساحة العراقية. وتكبدت الولايات المتحدة خسائر جنونية بعشرات تريليونات الدولارات.

ورغم جسامة الخسائر فلم يرتدع المحافظون عن سياساتهم ورعونتهم خاصة وأنهم ذوو قوى رأسمالية جبارة واحتكارات اقتصادية هائلة فقرروا تعويض خسائرهم بتجويع خلق الله من البشر. وبين ليلة وضحاها ارتفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة ولا مبررة على الإطلاق، وكأنهم يرومون المزيد من الأرباح بعد أن أمعنوا في سفك الدماء وأشاعوا الحروب ونهبوا الدول وسرقوا القطاع العام ولم يتبق لهم إلا الشعوب لإفراغ جيوبهم وتحويلهم إلى أعجاز نخل خاوية. لكن حكمة الله في خلقه هيأت من الأسباب ما يكفي لبضرب النظام الرأسمالي برمته في الصميم وفي عقر دياره الأكثر توحشا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت