ومن المفارقة أن استخدام لفظة"الإرهاب"صارت تروق لبعض المسلمين أكثر مما تروقهم كلمة"التطرف"أو حتى كلمة"غلو"وأمثالها. بل أن لغة الاتهام تكاد تكون متطابقة، بلسان أغلب الحركات الإسلامية المقاتلة وغير المقاتلة، إذا ما تعلق الأمر بتنظيم القاعدة أو طالبان أو أي تنظيم سلفي جهادي آخر. ففي خطابه يصف أوباما التطرف عند القاعدة بالقول:"لقد مارسوا القتل في كثير من البلدان. لقد قتلوا أبناء مختلف العقائد. ومعظم ضحاياهم من المسلمين. إن أعمالهم غير متطابقة على الإطلاق مع كل من حقوق البشر وتقدم الأمم والإسلام".
لكن إذا كان الرئيس الأمريكي يتوجه بخطابه إلى من يشاطرونه الرأي، من العالم الإسلامي، فسيجد الكثير من هؤلاء، بل أنه سيجد مشايخ وعلماء وطلبة علم وساسة وأحزاب وجماعات وتنظيمات وليبراليين وجهلة ومثقفين ممن يتطوعون للذهاب أبعد بألف مرة في العداء للقاعدة مقارنة بما ورد في الخطاب أو لدى أعتى المنظرين وكتاب الغرب ومثقفيه. وحينها لن يكون عجيبا على القاعدة أن تصدر خطابا على لسان الظواهري يرفض خطاب أوباما، جملة وتفصيلا، قبل أيام من إلقائه.
وفي المحصلة فإن مثل هذا الخطاب أثبت سقمه على امتداد الساحات وسنين المواجهات. ففي العراق مثلا لم نعد نسمع تلك الاتهامات التي كانت تحمّل القاعدة مسؤولية التفجيرات العشوائية في الأسواق والمساجد والحسينيات، ولم تكن الاتهامات الموجهة ضد حركة الشباب المجاهدين والحزب الإسلامي لتصدر خلال الحرب على الأثيوبيين إلا بعد تنصيب شيخ شريف أحمد رئيسا للصومال وهو نفسه الذي هدد بتوجيه الدعوة للقاعدة ولكل مجاهد في العالم إذا ما تدخلت أثيوبيا في الصومال عسكريا حين كانت البلاد بيد المحاكم وهو رئيسها. ولعل أعجب الاتهامات التي لا يتقبلها عقل ولا منطق تلك التي تصدر عن بعض وسائل الإعلام في الجزائر وباكستان. وأكثر ما كان ملفتا للانتباه أن يعلق جنرال باكستاني متقاعد على الحرب في وادي سوات مشيرا إلى أن بعض الأسلحة التي استولى عليها الجيش في حربه على طالبان تبين أن مصدرها الهند وإسرائيل! وهو بذلك يحاول إظهار طالبان على أنها حليفة للهند، العدوة التقليدية لباكستان، وحليفة لإسرائيل العدوة التاريخية للمسلمين. فإذا كان أوباما يوجه خطابه إلى هؤلاء فليس أمثالهم أعداءه كي يعرض عليهم مشروعه ويتصالح معهم!؟ وبالتأكيد ليس هؤلاء هم المعنيون بالصراحة.
لم يدرك الذين نقّحوا خطاب أوباما أنهم أحدثوا ثغرة عظيمة به لما أشاروا عليه بالاستشهاد في الآية الكريمة:"اتقوا الله وقولوا قولا سديدا"، وهذا ما سوف أحاول بما في وسعي أن أفعله وأن أقول الحقيقة"، فهل قال أوباما"قولا سديدا"؟ وهل سيقول"الحقيقة"؟"