فخلال حملاته الانتخابية برزت حركة شعبية أمريكية محمومة لطرد الجمهوريين من الحكم لدرجة أن المرشح المنافس لأوباما جون ماكين طلب من جورج بوش عدم الظهور معه في حملاته الانتخابية خشية أن يسبب له مزيدا من الحرج ويؤثر على فرصه في الفوز، لكن الحملات الانتخابية كانت من الضراوة بحيث يمكن توصيفها بأنها انتقام بشع من حقبة المحافظين ليس في عهد بوش فقط بل في كل العهود السابقة التي تولوا بها حكم أمريكا منذ تأسيسها، فكانت الخسارة جسيمة حتى في الكونغرس الأمريكي بحيث لم يتبق للجمهوريين موطئ قدم إلا في أروقة حزب شبه منهار لم تستطع عضلات أرنو لد شوارزنيغر المفتولة أن تسنده ولا أقدامه القوية أن توقفه على قدميه.
وفي العادة فإن المؤسسات هي من يتحكم إلى حد بعيد بانتخاب الرئيس إلا في حملة أوباما فقد كان لعشرات الآلاف من فرق الشباب، حتى المسلمين منهم، دورا تطوعيا فعالا في الترويج لأوباما عبر السيطرة المبكرة على المراكز الثقافية والصالات العامة والتجمعات وخاصة في مقاهي النت وبث ملايين الرسائل للأصدقاء والمجموعات البريدية والمنتديات الحوارية لدرجة فاجأت أوباما ودفعته إلى توجيه عدة رسائل فيديو عبر الشبكة الإلكترونية. وإلى حد كبير يمكن القول أن الطبقة المسحوقة هي التي انتخبت أوباما وكذا الطبقة المتوسطة الأكثر تضررا من الأزمة الاقتصادية كونها فقدت الكثير من وظائفها وامتيازاتها وخسرت استثماراتها من الورش الصناعية الصغيرة التي لم تعد تجد من يمولها، فلماذا ينتخب أمثال هؤلاء بوش أو المحافظين؟
ولأن الفقراء في أمريكا لهم أمثالهم في العالم وكذا الأغنياء وتشكيلات الطبقات الوسطى؛ فقد امتد التعاطف والمساندة لأوباما إلى خارج الحدود. فكشفت نتائج الانتخابات عن قاعدة شعبية واسعة النطاق داخل الولايات المتحدة وذات محتوى عالمي بخلاف حملات الرئاسة السابقة. قاعدة ناقمة على الجمهوريين وما خلفوه من كوارث عالمية، ولا شك أن الجمهوريين تمنوا لو أن الانتخابات لم تقع وليست جزء من النظام السياسي على قدر فداحة الخسارة التي أصيبوا بها. هنا بالضبط وعلى هذا النحو ينبغي قراءة أوباما وأطروحاته والتوقف عندها باعتبارها ردا على الداخل الأمريكي لا بد وأن ينعكس على الخارج. وكل ما علينا هو التوقف عن التسرع في تحديد المواقف ومراقبة أثر السياسات الأمريكية على قضايانا سواء عبر الخطاب أو غيره من التصريحات والتحليلات الغربية على وجه الخصوص حتى نكون على صلة مباشرة فيما يدور من حولنا ولا نفاجأ بما لا تحمد عقباه.