الصفحة 22 من 150

2.السماء بمعنى السحاب:

وردت السماء بمعنى السحاب في ستة وعشرون موضعا وقد اقترنت مع فعل الانزال في جميعها الا موضعين [1] ، فقد جاءت مع الفعل الماضي (انزل) اثنتي عشرة مرة، ومع الفعل (أنزلنا) خمس مرات وبصيغة المضارع (ينزل) ثلاث مرات، وبصيغة المضعف (نزّل) مرتين وبصيغة المضعف مع اضافة التشريف مرة واحدة.

فمما جاء من السماء بمعنى السحاب مع الماضي قوله تعالى {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} (سورة البقرة، الآية 22) الآية الكريمة واردة في سياق جملة خبرية معطوفة، وقوله {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} يعني من السحاب [2] ، والانزال هو"حط من علو، يقال: نزل عن دابته، ونزل في مكان كذا أي حط رحله فيه" [3] .

والآية الكريمة تشير الى فضل الله وانعامه على الناس في انزال الماء، وقوله من {مِنَ السَّمَاءِ} تفيد ابتداء الغاية، أي نزول الماء من السحاب لانه يخرج منه، ويلحظ انه قدم الجار والمجرور (من السماء) على المفعول به (الماء) ؛ لان السياق هنا سياق انعام وتفضل في عملية انزال الماء من فوقهم فهم يستفيدون منه دون مشقة في الحصول عليه، فالتقديم هنا ابلغ من التأخير"فان للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلا لا سبيل له مع التأخير" [4] فانزال المطر (الغيث) بحد ذاته قدرة واعجاز ومنة وتفضل، اذ به تقوم الحياة كما بينه قوله تعالى {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} ففيه اشارة الى قدرة الله سبحانه في انبات النبات واخراجه ويلحظ دقة استخدام الحرف (من) في قوله {مِنَ الثَّمَرَاتِ} فانه مطابق لهذا المعنى، لانه سبحانه لم ينزل الماء كله، ولا اخرج الثمرات كلها، فتحققت مقابلة بين (من السماء)

و (من الثمرات) [5] .وتظهر في ذلك دقة التعبير القرآني في اختيار المفردات ذات الدلالات

(1) ينظر سورة البقرة، الآية 19، وسورة ابراهيم، الآية 24.

(2) انوار التنزيل واسرار التأويل: 1/ 109، وينظر التحرير والتنوير: 1/ 332.

(3) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: 1/ 29.

(4) دلائل الاعجاز لعبد القاهر الجرجاني: 189،وينظر المثل السائر في ادب الكاتب والشاعر لابن الاثير: 2/ 216.

(5) ينظر الجامع لاحكام القرآن: 1/ 160، والكشاف: 1/ 234.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت