الصفحة 35 من 150

عمل الاستفهام على اكتساب المعاني خصوبة وامتلاء فهو مشحون بالايحاءات المهددة والمنذرة لكل من لا يعتبر ولا يتعظ، ولهذا ختمت الآية بقوله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ، وهي جملة استئنافية يبنت ان المؤمنين هم الذين يتأملون ويتفكرون في هذا الخلق العظيم [1] .

-من الرحمة والعناية:

والآيات التي تتحدث عن رحمته تعالى بخلقه كثيرة ايضا ومما ورد فيه ذكر السماء قوله تعالى {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ - وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} (سورة الصافات، الآيتان 6 - 7) الآيتان الكريمتان في سياق جملة خبرية تشير الى احدى نعم الله العظيمة على الانسان بان جعل في السماء نجوما وكواكب واودع فيها منافع للانسان بان جعلها رجوما للشياطين، ونورًا يهتدى بها، وزينة للسماء الدنيا [2] . وقد وصفت السماء هنا بانها السماء الدنيا وهذه إشارة إلى ان المقصود بها السماء الاولى، وقد اسند الفعل (زين) الى الضمير (نا) الذي يعود على الله سبحانه"للاهتمام بالاخبار عن نفسه، فانه تعالى جعل النجوم في السماء الدنيا للحفظ، وذلك لان طائفة من الناس اعتقدت في النجوم انها ليست من السماء الدنيا، وانها ليست حفظا ولا رجوما" [3] ، فكان ذلك من التدليل على رعايته للناس ورحمته بهم، وانها ليس كما يظن تظهر في السماء اذا ما ولد رجل عظيم او تختفي على فقد رجل عظيم [4] .

وقد ذكر الله تزيين السماء وجعلها رجوما أيضا في آيات أخرى مثل قوله تعالى {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ - وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} (سورة الحجر، الآيتان 16 - 17) وقوله تعالى {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} (سورة الملك، الآية 5) وفي هذه الايات تظهر المنفعة العظيمة التي منّ الله سبحانه بها على الناس بان جعل تلك الكواكب حفظا من الشياطين ان تلقي السمع لما قضى الله تعالى في العالم العلوي، ليقطع السبيل عن الكهان عن بعض ما سيحدث على الارض فلا يُفتن الناس في الإسلام كما فُتنوا في عصر ما قبل الإسلام، وليكون ذلك تشريفا للنبي - صلى الله عليه وسلم - بان قطعت الكهانة عند إرساله، وللإشارة إلى أن في الكواكب والنجوم منفعة

(1) ينظر درة التنزيل وغرة التأويل: 109.

(2) ينظر جامع البيان: 23/ 34، والكشاف: 3/ 335، والجامع لاحكام القرآن: 15/ 44.

(3) البرهان في علوم القرآن: 3/ 330.

(4) ينظر فوائد في مشكل القرآن لعبد العزيز بن عبد السلام: 228.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت