وقوله تعالى {وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا} يشير الى تأكيد نزول الملائكة من خلال دلالة الفعل (نزّل) التي تشير الى كثرة النزول، فالكثرة من معاني الفعل المضعف فضلا عن استخدام المفعول المطلق فالقرآن يريد تأكيد نزول الملائكة بالذات [1] فاستخدم المفعول المطلق المؤكد لتحقيق هذا المعنى وتثبيته.
-في العقاب والهلاك:
كثيرا ما يتحدث القرآن عن العذاب الذي نزل بالاقوام السابقة لكفرهم وضلالهم، ومن ذلك قوله تعالى {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} (سورة البقرة، الآية 59) الآية الكريمة في سياق جملة خبرية تشير الى العذاب الذي حل على بني اسرائيل بعد عصيانهم وتكبرهم واستهزائهم بامر الله سبحانه في دخول القرية، فتحولت هذه السماء الجميلة الى مصدر من مصادر العذاب لتنفيذ امر الله تعالى"والرجز في لغة العرب يعني العذاب، وقيل انه الطاعون" [2] ، وقد وصف التعبير القرآني ذلك العذاب وصفا عاما غير محدد"ليدع للخيال الانساني فرصة التأمل والتخيل الذي يمد الصور بالغنى والاتساع، ويدفق فيها الحياة ويكسبها خلودا" [3] .
وقد كررت عبارة (الذين ظلموا) في الآية فلم يقل (انزلنا عليهم) ، وذلك لتعريف بني اسرائيل بالظلم لغرض تحقيرهم، وللزيادة في تقبيح امرهم، والتشنيع عليهم، والايذان بان انزال الرجز عليهم لظلمهم، وعندما كررت هذه الآية في سورة الاعراف، لم تكرر العبارة استغناءا بما ورد في هذه الآية [4] ، فقد قال سبحانه {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} (سورة الاعراف، الآية 162) والتكرار في القرآن يأتي"لتوكيد الزجر والوعيد وبسط الموعظة وتثبيت الحجة او لتحقيق النعمة، وتزييد المنة والتذكير بالمنعم واقتضاء شكره" [5] .
(1) المصدر نفسه.
(2) جامع البيان: 1/ 242، وينظر والجامع لأحكام القرآن: 1/ 287، المحرر الوجيز لابن عطية: 6/ 113.
(3) الوصف في القرآن الكريم: يونس جاسم: 78.
(4) ينظر الكشاف: 1/ 483.
(5) اعجاز القرآن والبلاغة النبوية: مصطفى صادق الرافعي: 194.