وفي صحيح مسلم"باب كتب النبي صلى الله عليه و سلم إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى اللَّه عز وجل"، أورد فيه حديث أنس بن مالك ـ رضي اللَّه عنه ـ"أن النبي صلى الله عليه و سلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى اللَّه تعالى، وليس النجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه و سلم".
وكتابه صلى الله عليه و سلم إلى كسرى ملك الفرس، أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال مُرْسَلًا من طريق سعيد بن المسيّب، وقد اتفقت كلمة العلماء على أن جميع مراسيل ابن المسيّب صحيحة.
وكتابه صلى الله عليه و سلم إلى المقوقس حاكم مصر، ذكره ابن هشام، عن ابن إسحق، وقد صرح فيه ابن إسحق بالتحديث، وما صرح فيه بالتحديث فهو، عند العلماء بالحديث، صحيح.
وهكذا يتأكد أن هذه الرسائل نقلت نقلًا صحيحًا وأجمع على صحتها علماء الحديث والسيرة والتاريخ. وما أجمع العلماء على صحته لا يؤثر فيه شك المستشرقين.
ثم إن ما ذكرته الموسوعة الإسلامية من أسباب للشك، ليست مسَّلمة، لأن إرسال الرسائل إلى الملوك لا يستدعي وجود قوة عسكرية ضخمة، فهي رسائل لتبليغ الدعوة لا غير، هذا وإن المسلمين ما كانوا قط يعتمدون على القوة العسكرية وحدها في نشر الإسلام، وإنما يعتمدون على تقوى اللَّه وقوة الإيمان بالدرجة الأولى، ولو طبقنا هذا المعيار على الغزوات والفتوحات الإسلامية، لأنكرنا الكثير منها، لأن قوة المسلمين العسكرية لم تكن مكافئة لقوة الكفار.
ثم إن النبي صلى الله عليه و سلم لم يبعث هذه الرسائل إلا بعد صلح الحديبية، وهذا الصلح هو الفتح الأكبر، وفيه نزلت سورة الفتح، التي افتتحت بقوله تعالى: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا } . وهذا دليل على أن المسلمين صارت لهم قوة وهيبة.