فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 122

المبحث الثاني

من البعثة النبوية إلى الهجرة

بدأ الكاتبان حديثهما عن هذه المرحلة من حياة النبي صلى الله عليه و سلم بدعوى وجود أسئلة عويصة، تصعب الإجابة عنها، تتعلق بظهور محمد صلى الله عليه و سلم مصلحًا دينيًا، وأشارا إلى أن مصادر السيرة، بسبب التعقيدات التي تنشأ عن تفسيرها، لا تعين على إيجاد الإجابة عن تلك الأسئلة.

لكنهما لم يوضحا تلك الأسئلة بالتعبير عنها. وانطلاقًا من المنهج التاريخي المادي الذي بنيا عليه دراسة السيرة وتحليل موضوعاتها، يمكن أن نفترض الأسئلة التي أشارا إليها: كيف استطاع محمد صلى الله عليه و سلم أن يخرج عن قوانين التأثر بالمحيط الاجتماعي والبيئة الفكرية والثقافية والدينية ؟ وكيف استطاع أن يأتي بتعاليم دينية ومبادئ أخلاقية وأنظمة اجتماعية جديدة ؟ ومن أين أتى بها ؟ وكيف استطاع أن يغير المعتقدات والتقاليد القديمة المتأصلة في نفوس العرب ؟، وما هو السر في قوة التأثير التي كان يملكها ؟

هذا النوع من الأسئلة هو الذي يطرحه عادة أصحاب الفكر التاريخي المادي، والكاتبان يريدان أن يطبقا هذا المنهج حرفيًا على حياة النبي صلى الله عليه و سلم .

ومن طبيعة الحال أن يجدا الصعوبة في الإجابة عن تلك الأسئلة، لأنهما يريدان أن يفسرا حقيقة النبوة تفسيرًا ماديًا آليًا. وذلك غير ممكن، لأن حياة الأنبياء ليست حياة بشرية عادية. هم بشر ولا شك، لكن حياتهم غير عادية، لأنها حياة تتداخل فيها عوالم الغيب والشهادة والمادة والروح والدين والدنيا. إن زمن البعثة النبوية مرحلة فريدة في تاريخ البشرية، فيها تستقبل الأرض الوحي الإلهي والرسالات الإلهية والرسل والأنبياء الذين يسيرون على الأرض في ظل العناية الإلهية المباشرة لتبليغ الرسالة وإنقاذ البشرية وهدايتها، في هذه المرحلة تحدث الخوارق والمعجزات لتأييد الرسل وتوجيه الأحداث.

إن حياة الأنبياء والرسل وسيرتهم ليست حياة بشرية عادية، لذلك لا يصح إرغامها على الدخول في قوالب الفكر المادي المحدودة.

دعوى تأثّر النبي صلى الله عليه و سلم بالوثنية الجاهلية:

بناء على أصول الفكر المادي الوضعي ومقرراته الجاهزة، مضى الباحثان اللذان كتبا عن السيرة النبوية في الموسوعة الإسلامية يحاولان بإصرار أن يثبتا دعواهما بأن النبي صلى الله عليه و سلم بقي بعد بعثته متأثرًا بالمعتقدات والتصورات الوثنية الجاهلية، وانطلقا من كون تأثرالإنسان بالمحيط الفكري والثقافي الذي يعيش فيه، هو أكثر المسلمات واقعيةً بجميع الاعتبارات.

دعوى ضلاله قبل البعثة:

ولإثبات هذه الدعوى المتهافتة، قدما مزاعم باطلة، منها قوله تعالى: { وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى } وفسراه بما يحلو لهما. ومنها أن النبي صلى الله عليه و سلم سمى أحد أبنائه باسْمٍ وثَنِيٍّ، ومنها كونه صلى الله عليه و سلم زوج اثنتين من بناته لولدَيْ عمه أبي لهب، وهو أكبر المدافعين عن الوثنية، ومنها حديثه عن الجن كما ورد في القرآن الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت