الحمد للَّه الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وجعله مبشرًا ونذيرًا، وهاديًا وسراجًا منيرًا، وصلى اللَّه وسلم على أكرم رسله وصفوته من خلقه، اصطفاه من الناس وحلاه بأكمل الأوصاف، وزينه بأفضل الأخلاق، وجعله قدوة حسنة للناس أجمعين.
وبعد:
فإن للسيرة النبوية العطرة فوائد جليلة، ومنافع عظيمة،فهي السجل الأمين لحياة النبي صلى الله عليه و سلم ، والمرآة الصافية لأخلاقه وأحواله وشمائله، والسراج المنير الذي أقامه اللَّه على الأرض ليضيء للبشرية طريقها القويم، على صفحاتها يطالع المسلم والناس أجمعين، المثل الأعلى للكمال البشري مشخصًا في حياة رجل يمشي على الأرض ويعيش حياته الواقعية بين الناس صلى الله عليه و سلم .
هذا من فضل اللَّه على الناس،لأن الإنسان ـ كما هو معلوم لدى علماء التربية والأخلاق ـ لا يتأثر ولا يسمو في سلوكه وأخلاقه،إذا قدمت إليه الفضائل الخلقية والمثل العليا في صورةٍ مثالية أو نظريات مجردة، وإنما يتأثر بها عندما يشاهدها مجسمة في صور واقعية ومواقف إنسانية.
من هنا كان للسيرة النبوية التي تعرض بين صفحاتها الواقعية العطرة، ومواقفها الإنسانية المضيئة، القدوة الحسنة، والإنموذج الأسنى للكمال البشري الذي يدعى الناس كافة إلى الارتقاء في مدارجه، فوائد جليلة، ومكانة عزيزة في حياة المسلمين.
لهذا عني المسلمون بتسجيل سيرة النبي صلى الله عليه و سلم ونقل كل ما شاهدوه من أحواله وأفعاله وأخلاقه، ونهض بذلك رجال عدول من الصحابة والتابعين، فنقلوا للناس بصدق وأمانة الصورة الحقيقية لحياته صلى الله عليه و سلم وشمائله الطيبة وأخلاقه وأوصافه السنية.
ثم جاء المستشرقون فأظهروا اهتمامًا كبيرًا بحياة النبي صلى اللَّه عليه وسلم وسيرته، وألفوا وكتبوا لأهداف متباينة، وكان منهم المنصفون،وهم قلة قليلة، والمتعسفون،وهم الكثرة الكثيرة.
ثم قامت الموسوعة الإسلامية التي نشرتها دار بريل التي يوجد مقرها في مدينة لايدن بهولاندا، باللغات الانجليزية والفرنسية والألمانية في أكثر من طبعة، منها طبعة عام 1993، لتقدم خلاصة ما انتهت إليه البحوث الاستشراقية في موضوع السيرة النبوية، مع ميل كبير إلى مواقف المتعسفين من أصحاب تلك البحوث.