المبحث الرابع
التشكيك في أحداث السيرة قبل الهجرة
نشر الباحثان ظلال الشك على أهم أحداث السيرة النبوية قبل الهجرة، فمالا إلى إنكار صحة أخبار الأذى والمضايقة والعدوان والعداوة الشديدة التي قابل بها كفار قريش دعوة النبي صلى الله عليه و سلم وضروب التعذيب الذي ألحقوه بالمؤمنين الأوائل، ومالا كذلك إلى إنكار الهجرة إلى الحبشة وحصار بني هاشم في شعبهم بمكة، وكل ما قدما من أدلة على ذلك هو أن الروايات التي تناقلتها كتب السيرة عن تلك الأحداث غامضة، وأن القرآن سكت عنها.
محاربة الدعوة الإسلامية:
وإن الباحث المنصف ليعجب من تعامل الباحثَيْن مع هذه الأحداث، وإنكارهما ماهو معروف متواتر في كتب التاريخ والسيرة. بل ما تكرر ذكره في القرآن الكريم، فقد نص القرآن على عداوة كفار قريش للنبي صلى الله عليه و سلم في آيات كثيرة، فتحدث عن سخريتهم واستهزائهم، وتوعد بالعذاب أعداءه مثل عمه أبي لهب والوليد بن المغيرة وأبي جهل. وسكوت القرآن عن تفصيلات تلك العداوة والخصومة الثابتة، ليس ذريعة للشك في صحتها، لأن القرآن ليس كتابًا في تاريخ حياة محمد صلى الله عليه و سلم كما يدعي المستشرقون.
وفي كل من البخاري ومسلم باب خاص بما لقي النبي صلى الله عليه و سلم من الأذى على يد المشركين ولسنا بحاجة إلى الإطالة بذكر الأحاديث.
وإذا ساغ لإنسان أن يشك في مثل هذه الأحداث التاريخية المتواترة، جاز له أن يشك في أشهر الأحداث التاريخية العالمية، وحينئذ لا يصح في أذهان الناس شيء من الحقائق.
الهجرة إلى الحبشة:
ومع تزايد الابتلاء والأذى والتعذيب على المسلمين بمكة، أذن لهم النبي صلى الله عليه و سلم في الهجرة إلى الحبشة، وورد في كتب السيرة أنه قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، فخرج عند ذلك المسلمون إلى أرض الحبشة فرارًا بدينهم.
ولا شك في أن هجرة الوطن تصعب على الإنسان، ولا يلجأ إليها إلا مضطرًا، فلولا الأذى والابتلاء الشديد الذي بلغ بالمسلمين في مكة مبلغًا لا يطاق. ما هجروا وطنهم، وحملوا أنفسهم على العيش في وسط غريب يخالفهم في الدين واللغة.
وخبر هذه الهجرة صحيح متواتر، ثبت بالأحاديث النبوية الصحيحة وبالروايات التاريخية الثابتة. ويبدو أن الباحثَيْن أحسا بأن إنكار مثل هذا الحدث يصادم الحقيقة التاريخية، فنقلا عن مستشرق آخر افتراضات باطلة، ادعى فيها بأن نوعًا من الانقسام وقع داخل الجماعة المسلمة فكان سببًا في الهجرة إلى الحبشة، أو أن بعض المهاجرين هاجروا لأغراض تجارية، وهذه ادعاءات ومجازفات لا أساس لها، وإنما هي أوهام أريد بها إلغاء الدافع الديني الروحي الذي كان وراء تلك الهجرة، لأن الباحث المؤمن بالفلسفة المادية، لا يستطيع أن يصدق أن سلوك المسلم له دوافع مثالية لا يفسر إلا بها.
تفسير مغرض لقصة الغرانيق: