فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 122

هذه الأباطيل التي سودت بها صفحات الموسوعة الإسلامية في القرن العشرين، عصر التحقيق العلمي والتقدم في وسائل الاتصال وجمع المعلومات من مصادرها الصحيحة يُعدُّ عارًا على مراكز البحث الأكاديمي.

المبحث الثالث

أخطاء في الحديث عن السرايا والغزوات

.1 دوافع بعث السرايا والغزوات:

تحدثت الموسوعة الإسلامية عن الدوافع التي دفعت النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلى بعث السرايا والغزوات، لتجوب المناطق المحيطة بالمدينة المنورة منذ أن نزل بها، فذكرت منها بصورة اجمالية الدوافع النفسية والشخصية والسياسية، وأسقطت نهائيا الدوافع الدينية.

ومن الدوافع النفسية أو الشخصية التي ذكرتها:"أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان له حساب يريد تصفيته مع المكيين، ذلك أنهم بإخراجه من مكة، حققوا انتصارًا عليه في أعين الناس"، وربطت الموسوعة بين بعث السرايا وبين الإذن في القتال، وهذا خلط، لأن بعث السرايا في السنة الأولى من الهجرة كان قبل أن يؤذن للمؤمنين في القتال، وقبل أن يشرع الجهاد في الإسلام، والدليل على ذلك أن الأعداد التي كانت ترسل في تلك السرايا الأولى لم تكن متكافئة مع أعداد المشركين، ولم يكن معها إذن من النبي صلى الله عليه و سلم في القتال، وإنما كانت تبعث لأهداف أخرى اقتصادية واستراتيجية. ودليل آخر على ذلك هو ما حدث في سرية عبد اللَّه بن جحش التي وقع فيها القتال في شهر رجب، وهو من الأشهر الحرم، فقد تلقى المشاركون في هذه السرية اللوم الشديد من النبي صلى الله عليه و سلم ومن إخوانهم المؤمنين، واستغل الكفار ذلك الحادث في نشر الإشاعات المغرضة، وحدث الخلط بين المفاهيم، فنزل القرآن بما أزال ذلك الخلط وأوضح مراتب القيم: قال تعالى: { يَسأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وَصَدّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرَامِ وإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ، وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ } .

ولا يصح أن يقال إن بعث السرايا كان بدافع تصفية حساب شخصي مع المكيين، لأن سيرة النبي صلى الله عليه و سلم في معاملة أهل مكة، بعد أن مكنه اللَّه منهم يوم الفتح الأكبر، يكذب هذا الادعاء، فقد شملهم بعفوه وبره وسماحته، وأعطى المثل الأعلى للإنسانية كلها في العفو والسماحة، ولو كان له حساب شخصي معهم، أو رغبة في الانتقام، لكان له معهم سلوك آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت