أي وقع خلفه، قال وأقول: أدبر الرجل إذا ولى وقد قالوا كأمس الدابر والعام القابل. وقال أبو عبيدة: أمس المدبر أيضًا. وقال أقول: قبل فلان الوادي إذا استقبله وأقول أقبل إليك فلان هذه المعروفة [1] .
نلاحظ في هذا المثال أن هناك من قرأها بهمزة مفتوحة ودال ساكنة (أدبر) فجعلها على زنة (أكرم) ، وهناك من قرأها بفتح الدال (دبر) فجعلها على زنة (ضرب) . وهما لغتان بمعنى واحد. وكذلك نلاحظ أن دبر وأدبر وقبل وأقبل هما على زنة فعل وأفعل وهما يأتيان لنفس الدلالة.
ومن آرائه الأخرى ما ورد في قوله تعالى: {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} [2] ، والصفر: سود الإبل، لا ترى أسود من الإبل إلا وهو مشرب بصفرة، فلذلك سمت العرب سود الإبل: صفرا، كما سموا الظباء: أدمًا لما يعلوها من الظلمة في بياضها، وقد اختلف القراء في (جمالات) فقرأ عبد الله بن مسعود وأصحابه: (جمالة) [3] . قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا محمد قال حدثنا الفراء قال: وحدثني محمد بن الفضل عن عطاء عن أبي عبد الرحمن يرفعه إلى عمر بن الخطاب (رحمه الله) أنه قرأ (جمالات) وهو أحب الوجهين الي، لأن الجمال أكثر من الجمالة في كلام العرب. وهي تجوز، كما يقال: حجر وحجارة، وذكر وذكاره إلا أن الأول أكثر، فإذا قلت: جمالات، فواحدها: جمال، مثل ما قالوا: رجالُ ورجالات، وبيوت وبيوتات، فقد يجوز أن تجعل واحد الجمالات جماله، وقد حكى عن بعض القراء: جمالات، فقد تكون من الشيء المجمل، وقد تكون جمالات جمعًا من جمع الجمال. كما قالوا: الرَّخلُ والرهال، والرخال [4] .
أما ابن الحاجب فيقول: (وجاء في مؤنث الثلاثة أفعل) فرقوا بين مذكرها ومؤنثها، ولما كانت تاء التأنيث فيها مقدار كما في العدد القليل نحو ثلاث وأربع
(1) فعلت وأفعلت: 204.
(2) سورة المرسلات: الآية 33.
(3) وقرأ حفص وحمزة والكسائي (جمالة) ، وبقية السبعة (جمالات) (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 19/ 165) .
(4) معاني القرآن للفراء: 3/ 225.