الصفحة 114 من 332

اعتمد اللغويون جميعًا على القرآن الكريم وقراءاته في الاستشهاد به لإثبات الأحكام، وتقعيد القواعد، فهو عندهم مقدمٌ على كل مسموع، وهو الأصل الأول بلا منازع، إذ لا خلاف في حجته والاستدلال به في موضوعاتهم، ذلك لأن القرآن الكريم لا يخضع لضرورة وزن أو قافية كالشعر، ولقد كان الأخفش يفسر القرآن بالقرآن، فيستعين بالآيات القرآنية ليفسر بها آيات أخرى. وكثرة الآيات

القرآنية في كتاب الأخفش شاهدة على تفسيره في كل جوانب دراسته اللغوية،

ينهج هذا النهج من أول الكتاب إلى آخره، ويبلغ عدد الشواهد القرآنية

الصرفية عند الأخفش (225) شاهدًا صرفيًا، ومن ذلك ما نلاحظه في قوله تعالى: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنّ} [1] . وهو إنما ذكر سماء واحدة، فهذا لأن ذكر السماء قد دل عليهن كلهن. وقد زعم بعض المفسرين أن السماء جميع مثل (اللبن) ، فما كان لفظه لفظ الواحد ومعناه معنى الجماعة جاز أن يجمع، فقال (سَوَّاهُنّ) ، فزعم بعضهم أن قوله: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} [2] ، جمع مذكر كاللبن، ولم نسمع هذا من العرب، والتفسير الأول جيد ... [3] فنلاحظ هنا أن الأخفش من خلال حديثه على اسم الجمع وكيف أن السماء اسم جمع لأن لفظها لفظ الواحد ومعناها معنى الجماعة وهي مثل اللبن لأن اللبن أيضًا اسم جمع، فنلاحظ أنه من خلال هذا الحديث أنه يستدل بالآيات القرآنية ليفسر بها الآية الأولى.

ومن آرائه الأخرى ما ورد في قوله تعالى: {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} [4] . وقال: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنّ} [5] . لأنه من (أرجأْتُ) ، وقد قرئت: (أَرْجِهْ وَأَخَاه) [6] ، خفيف بغير همز، وبها نقرأ، و (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ) ، وهي لغة، تقول: أَرْجَيْتُ، وبعض العرب يقول:

(1) سورة البقرة: الآية 29.

(2) سورة المزمل: الآية 18.

(3) معاني القرآن للأخفش: 1/ 54.

(4) سورة الأعراف: الآية 111.

(5) سورة الأحزاب: الآية 51.

(6) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: (أَرْجِئْهُ) ، مهموزًا. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: (أَرْجِه) ، بلا همز. واختلفت الروايات في عاصم. (انظر: كتاب السبعة في القراءات 287 - 289) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت