فنلاحظ في هذا المثال أن الأخفش أيضًا يؤيد قراءة العامة ويختارها ليقرأ بها.
ولقد كان الأخفش يوازن بين القراءتين، أو بين القراءات الكثيرة، فيفضل ما كان أجود في العربية وأكثر في القراءات، ويختاره ليقرأ به. ومن ذلك ما نلاحظه في قوله تعالى: {فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم} [1] ثقيلة مشددة، (وعدوًا) خفيفة، والأصل من العدوان، وقال بعضهم: (عَدُوًّا بِغَيْرِ عِلْم) [2] ، أي: سبوه في هذه الحال، ولكن العدو جماعة، كما قال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} [3] ، وكما قال: {لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [4] ، ونقرأ (عدوًا) لأنها أكثر في القراءة وأجود في المعنى، لأنك تقول: عدوًا علينا، مثل: ضربه ضربًا [5] .
وكذلك ما ورد في قوله تعالى: {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} [6] . أي: دارست أهل الكتاب، {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ} [7] ، يعني: هكذا. وقال بعضهم: درست وبها نقرأ لأنها أوفق للكتاب، وقال بعضهم: درست [8] . [9]
فنلاحظ في المثالين السابقين أن الأخفش قد وازن بين القراءات، وفضل واختار ما كان أجود في العربية. واختارها ليقرأ بها. فمثلًا اختار (عدوًا) و (درست) ، ليقرأ بهما لأنهما أجود في المعنى وأوفق للكتاب.
وما يلاحظ على الأخفش أنه لا تعجبه القراءة إذا استندت إلى لغات رديئة،
(1) سورة الأنعام: الآية 108.
(2) قرأ بعض المكيين بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو، أي أعداء، و (عدو) يخبر به عن الجمع، كما قال: هم العدو. (ينظر البحر المحيط: 4/ 200) .
(3) سورة الشعراء: الآية 77.
(4) سورة الممتحنة الآية 1.
(5) معاني القرآن للأخفش: 2/ 285.
(6) سورة الأنعام: الآية 105.
(7) سورة الأنعام: الآية 105.
(8) ابن كثير وأبو عمرو: (دارست) ، بالألف وفتح التاء، وابن عامر بغير ألف وفتح السين وإسكان التاء، والباقون بغير ألف وإسكان السين وفتح التاء. (التسيسر في القراءات السبع: 105) .
(9) معاني القرآن للأخفش: 2/ 285.
وينظر على سبيل المثال لا الحصر معاني القرآن للأخفش: 2/ 515، 2/ 346، 2/ 504، 2/ 428، 2/ 538.