تسمع كلمة لغو جعلها لاغية، والحجة في هذا أنك تقول: فارس) لصاحب الفرس، و (دارع) لصاحب الدرع، و (شاعر) لصاحب الشعر. وقال الشاعر:
أغررتني وزعمت أنـ ... ـك لابن بالصيف تامر [1]
أي: صاحب لبن وصاحب تمر [2] .
فنلاحظ هنا أن الأخفش قد ذكر شذوذًا صرفيًا وهو قوله فارس ودارع لصاحب الفرس وصاحب الدرع، وقد استدل بالبيت الشعري الذي فيه شذوذ صرفي أيضًا وهو قوله لابن وتامر لصاحب اللبن وصاحب التمر. أي أنه كان يستعمل الشذوذ الصرفي للنسب، أي أنه كان ينسب الـ (لابن) لصاحب اللبن وهكذا.
ونلاحظ أن أبو الحسن الأخفش قد أحس بأهمية وضوح معنى الشاهد الشعري فسعى إلى تيسيره وذلك بشرح ألفاظ الأبيات الشعرية، وقد عرف بأنه أول من فعل ذلك. قال أبو العباس ثعلب: (( أول من أملى غريب كل بيت من الشعر تحته الأخفش ) ) [3] .
ومن الأمثلة التي تبين عناية الأخفش بشرح غريب الشواهد الشعرية، ما ورد في قوله تعالى: {بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً} [4] فمن لم يصرفه جعله بلدة أو بقعة، ومن صرفه جعله اسم واد أو مكان، وقال بعضهم: لا بل هو مصروف، وإنما يريد: يطوى طوى من الليل، لأنك تقول: جئتك بعد طوى من الليل، ويقال: طوى منونة مثل المثنى.
وقال الشاعر:
ترى ثنانا إذا ما جاء بدءهم ... وبدؤهم إن أتانا كان ثنياناَ [5]
والثنى هو الشيء المثنى [6] .
(1) قائل هذا البيت هو الحطيئة، ينظر ديوانه: 56.
(2) معاني القرآن للأخفش: 2/ 536.
(3) طبقات النحويين واللغويين: 74.
(4) سورة النازعات: الآية 16.
(5) قال البيت هو أوس بن مغراء القريعي، وينظر: طبقات فحول الشعراء: 79.
(6) معاني القرآن للأخفش: 2/ 527.