فنلاحظ في هذا المثال أن الأخفش قد استشهد بلغات القبائل وهم: أهل الحجاز، وبني تميم، لأن أهل الحجاز يقولون: هي السبيل، ويقولون: ولتستبين أما بني تميم فيقولون (وليستبين) .
ولقد أخذ الأخفش أيضًا من قبيلة قيس، وذلك في قوله تعالى:
{أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} [1] ، فإنهم يقولون في مفعولها (مكنون) ، ويقول بعضهم: (مكن) ، وتقول: كنت الجارية، إذا صنتها، و: كننتها من الشمس،
و: أكننتها من الشمس، أيضًا: ويقولون هي مكنون ومكنة، ... لأن قيسًا تقول: كننت العلم فهو مكنون، ويقول بنو تميم: أكننت العلم فهو مكن، و: كننت الجارية فهي مكنونة ... [2]
فنلاحظ في هذا المثال أن الأخفش قد استشهد بقبيلة قيس، لأن قيس تجعل من كننت اسم مفعول فتقول مكنون.
واستشهد الأخفش أيضًا بلغات أهل المدينة، ومنها ما ورد في قوله تعالى: {لاَ يَحْزُنْكَ} [3] . خفيفة مفتوحة الياء، وأهل المدينة يقولون: (يحزنك) ، يجعلونها من (أحزن) ، والعرب تقول: أحزنته وحزنته [4] . فنلاحظ هنا أن الأخفش قد استشهد بلغة أهل المدينة، إذ قرأ يحزنك بالضم لأنها مأخوذة من (أحزن) ، والعرب تقول: أحزنته وحزنته.
ونلاحظ أنه كان يستشهد بلغات بني العنبر، ومنها ما ورد في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ} [5] ، وأما تثقيل (الأماني) فلأن واحدها (أمنية) مثقل، وكل ما كان واحده مثقلًا، مثل (بختية وبخاتي) فهو مثقل. وقد قرأ بعضهم: (إلا أماني) فخفف، وذلك جائز،
(1) سورة البقرة: الآية 235.
(2) معاني القرآن للأخفش: 2/ 279 - 280. وينظر: فعلت وأفعلت: 87 - 88.
(3) سورة المائدة: الآية 41.
(4) معاني القرآن للأخفش: 1/ 258. وينظر: فعلت وأفعلت: 94.
(5) سورة البقرة: الآية 78.