الصفحة 153 من 332

فنلاحظ في كل الأمثلة السابقة أن الفرَّاء كان يستعين بأكثر من آية ليستشهد بها على موضوع واحد، وكذلك أنه كان يفسر القرآن بعضه ببعض، وهو بهذا يتفق مع الأَخفش لأن الأَخفش كان يستعمل نفس الأسلوب.

أما القراءات القرآنية الصرفية فقد استشهد بها الفرَّاء في كتابه (معاني القرآن) بعدد كبير، وقد بلغ عددها (318) ثلثمائة وثمانية عشر شاهدًا من القراءات القرآنية الصرفية.

ومن الشواهد الصرفية ما ورد في قوله تعالى: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ} [1] . رفعت القراء (كلُّ مُرْضِعَة) لأنهم جعلوا الفعل لها. ولو قيل: تُذْهِل كلَّ مرضعة وأنت تريد الساعة أنها تذهل أهلها كان وجهًا. ولم أسمع أحدًا قرأ به والمرضعة: الأم. والمرضع: التي معها صبى ترضعه. ولو قيل في الأم: مرضع لأن الرضاع لا يكون إلا من الإناث فيكون مثل قولك: طامث وحائض. ولو قيل في التي معها صبى: مرضعة كان صوابًا [2] . ونلاحظ أن الأَخفش والفرَّاء متساويان في التفسير، لكن الأَخفش أبدع في التفسير والدلالة.

ويرى الفرَّاء أن القراءة قد تنشأ من لغتين اثنتين، ومن ذلك ما ورد في كلمة و (يبشرك) قرأها بالتخفيف أصحاب عبد الله في خمسة مواضع من القرآن. في آل عمران حرفان [3] ، وفي بني إسرائيل [4] ، وفي الكهف [5] ، وفي مريم [6] .

وقد قال بعضهم: أبشرت، ولعلها لغة حجازية. وسمعت سفيان بن عيينة يذكرها يبشر [7] . وبشرت لغة سمعها من عكل. ورواها الكسائي عن غيرهم ... [8] وهو بهذا يتفق مع الأَخفش؛ لأنه أيضًا كان يقول أن القراءة قد تنشأ من لغتين اثنتين.

(1) سورة الحج: الآية 2.

(2) معاني القرآن للفراء: 2/ 214.

(3) سورة آل عمران: الآيتين 39، 45.

(4) سورة بني إسرائيل: الآية 9.

(5) سورة الكهف: الآية 2.

(6) سورة مريم: الآية 97.

(7) في لسان العرب (فليبشر) : 4/ 60 مادة (بَشَرَ) .

(8) معاني القرآن للفراء: 1/ 212.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت