ويلاحظ أن الفرَّاء كان كثيرًا لا يرجح بين القراءتين ولا يفضل إحداهما على الأخرى، وإنما يكتفي بقوله كلتا القراءتين صواب، أو يقول: كلاهما حسن. ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: {وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [1] . قرأ الأعمش وعاصم بالألف وفتح التاء، وقرأ أهل المدينة: (ولا تُحضُون) ، وقرأ الحسن البصري: (ويحُضون، ويأكلون) [2] ، وقد قرأ بعضهم: (تحاضَّون) [3] برفع التاء، وكل صواب. كأن (تحاضون) تحافظون، وكأن، (تُحضون) تأمرون بإطعامه، وكانَّ تَحاضُّون: يحض بعضكم بعضًا [4] .
ومثل ذلك ما ورد في قوله عز وجل: {حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُم} [5] بالألف، وقد قرأ بعضهم (يلقوا) [6] والملاقاة أعرب وكل حسن [7] . وهو بهذا يتفق مع الأَخفش، لأن الأَخفش أيضًا كان لا يرجح بين القراءتين، وكان يقول: كلاهما صواب.
ونلاحظ في بعض الأحيان أن الفرَّاء كان يرفض القراءة ويصفها
بأنها لا تصلح، ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى:
{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [8] .
(1) سورة الفجر: الآية 18.
(2) من قوله: (وتأكلون التراث) وهي قراءة مجاهد وأبي رجاء وقتادة والجحدري وأبي عمرو (البحر المحيط: 8/ 471) .
(3) روى عن الكسائي والسلمي، وهو تفاعلون من الحض وهو الحث (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 20/ 53) .
(4) معاني القرآن للفراء: 3/ 261.
(5) سورة الطور: الآية 45.
(6) قرأ أبو جعفر بفتح الياء والقاف وسكون اللام بينهما بلا ألف: يلقوا، مضارع لقى، وافقه، ابن محيصن، والباقون بضم الياء، وفتح اللام ثم ألف، وضم القاف يلاقوا؛ من الملاقاة، ووافقهم ابن محيصن في الطور (انظر: إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر: 2/ 497) .
(7) معاني القرآن للفراء: 3/ 93.
وينظر على سبيل المثال لا الحصر: معاني القرآن للفراء: 1/ 418، 1/ 210 - 211، 3/ 172، 3/ 119 - 120، 3/ 184، 3/ 214، 3/ 249، 3/ 236 وغيرها.
(8) سورة الأنعام: الآية 63.