وكان الفرَّاء كثيرًا ما يحس بأن بعض اللغات أحب إليه من غيرها ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: {لا يَعْزُبُ عَنْه} [1] و (يعزب) لغتان قد قرئ بهما. والكسر أحب إليّ [2] . فنلاحظ هنا أن الفرَّاء قد اختار لغة على أخرى ووصفها بأنها أحب إليه وهو بهذا لا يتفق مع الأَخفش؛ لأن الأَخفش لا يذكر هذا الشيء، وإنما تفرد به الفرَّاء لوحده. وكثيرًا ما كان لا يرجع بين اللغات وإنما يصف بأن كلتا اللغتين صواب، ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: {فِيهِ يُصْعَقُونَ} [3] قرأها عاصم، والأعمش (يصعقون) وأهل الحجاز (يُصعقون) وقرأها أبو عبد الرحمن السلمى (يصعقون) بفتح الياء - مثل الأعمش [4] . والعرب تقول: صُعِق الرجل، وصعق - وسعد، وسعد لغات
كلها صواب [5] . فنلاحظ هنا أن الفرَّاء لم يفرق بين اللغتين وإنما قال أن
كلاهما صواب، فمن قرأ بالفتح ومن قرأ بالضم فكلاهما
صواب، وهو بهذا لا يتفق مع الأَخفش، لأن الأَخفش لم يذكر هذا الشيء، وإنما تفرد به الفرَّاء لوحده.
وكذلك كان الفرَّاء كثيرًا ما يذكر اللغات التي تقرأ بالحركات الثلاث ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّار} [6] . قرأها عاصم (أَوْ جَذْوَةٍ) [7] بالفتح والقراءة بكسر الجيم أو برفعها. وهي مثل أوطأتك عِشوة وعشوة وعشوة والرغوة والرغوة والرغوة. ومنه ربوة وربوة وربوة [8] .
(1) سورة سبأ: الآية 3.
(2) معاني القرآن للفراء: 2/ 351.
(3) سورة الطور: الآية 45.
(4) قرأ الجمهور: يصعقون بفتح الياء، وقرأ عاصم: بضم الياء (جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري: 27/ 36) ، وقرأ السلمي بضم الياء وكسر العين من أصعق رباعيًا (البحر المحيط: 8/ 153.
(5) معاني القرآن للفراء: 3/ 94.
وينظر على سبيل المثال لا الحصر: معاني القرآن للفراء: 2/ 252.
(6) سورة القصص: الآية 29.
(7) ينظر: المثلث للبطليوسي: 1/ 413.
(8) معاني القرآن للفراء: 2/ 305 - 306.
وينظر على سبيل المثال لا الحصر: معاني القرآن للفراء: 1/ 356، 2/ 282، 2/ 252.