فنلاحظ هنا أن الفرَّاء قد أخذ باللغات الثلاث فقرأ جذوة بالحركات الثلاث بالفتح والضم والكسر، وجعلها مثل عشوة ورغوة وربوة، التي تقرأ بالفتح والضم والكسر، وهو بهذا لا يتفق مع الأَخفش؛ لأن الأَخفش كان لا يذكر هذا الشيء، وإنما تفرد به الفرَّاء لوحده.
ثانيًا: القياس:
نحن نعرف أن الفرَّاء هو كوفي الأصل، ولما كانت المدرسة البصرية قياسة، فقد تأثر الفرَّاء في منهجه القياسي بالمدرسة البصرية، ومن قياسه في اللغة، ما ورد في قوله عز وجل: {أَبَابِيل} [1] (لا واحد لها، مثل الشماطيط، والعباديد، والشعارير - كل هذا لا يفرد له واحد، ... ، فلو قال قائل واحد الأبابيل إيبالة كان صوابًا، كما قالوا دينار، ودنانير) [2] .
فهو في هذا يقيس مفرد أبابيل على مفرد دنانير دون سماع للأول، وتلك نزعة بصرية لأن الكوفيين يقفون عند السموع من اللغة ولا يزيدون [3] .
ولقد كان لهذه النزعة أثر محمود في إثراء اللغة عن طريق القياس. ولقد ورد لفظ القياس عند الفرَّاء في إطلاقه الأحكام في مسائل اللغة والنحو، وفي استنباط القواعد العامة التي تنظم الظواهر المتشابهة. وكان للفراء ضربان في التعبير عن القياس:
أولًا: استعمال تصريفات الفعل (قاس) مثل قوله: (( فقس بهذا ) ) [4] و (( يقاس على هذا ) ) [5] و (( فقس على ذا ) ) [6] .
(1) سورة الفيل: الآية 3.
(2) معاني القرآن للفراء: 3/ 292.
(3) أبو زكريا الفرَّاء ومذهبه في النحو واللغة: 458.
(4) معاني القرآن للفراء: 1/ 81، 2/ 69.
(5) المصدر نفسه: 1/ 200، 3/ 280 - 281.
(6) نفسه: 2/ 204.