الكوفة فأقام بها أربعين يومًا يفرق في أهله ما جمعه، وكان شديد المعاش، لا يأكل حتى يمسه الجوع، وجمع مالًا خلفه لابن له شاطر، صاحب سكاكين [1] .
ويخالف هذا الرأي ابن خلكان فيقول: كان الفراء لا يميل إلى الاعتزال، وحكى سلمة بن عاصم عن الفراء قال: كنت أنا وبشر المريسي في بيت واحد عشرين سنة، ما تعلم مني شيئًا ولا تعلمت منه شيئًا؛ وقال الجاحظ: دخلت بغداد حين قدمها المأمون في سنة أربع ومائتين، وكان الفراء يحبني، واشتهي أن يتعلم شيئًا من علم الكلام، فلم يكن له فيه طبع [2] .
وحكى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن نجده، قال: لما تصدى أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء للاتصال بالمأمون، كان يتردد إلى الباب؛ فلما أن كان ذات يوم جاء ثمامة، قال: فرأيت له أبهة أدب، فجلست إليه ففاتشته عن اللغة، فوجدته بحرًا، وفاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده، وعن الفقه فوجدت فقيهًا عارفًا باختلاف القوم، وبالنجوم ماهرًا، وبالطب خبيرًا، وبأيام العرب وأشعارها حاذقًا، فقلت لهُ: من تكون؟ وما أظنك إلا الفراء! فقال: أنا هو. فدخلت على أمير المؤمنين فأعلمته، فأمر بإحضاره لوقته، فكان سبب اتصاله به [3] .
ويعد كتاب معاني القرآن من أهم الكتب التي ألفها الفراء، وقد سماه مؤلفه (تفسير مشكل إعراب القرآن) كما يتضح في أول عبارة افتتح بها الكلام على ما في الكتاب. وهو أشهر كتبه وأضخمها، ألفه لعمرو بن بكير وكان من أصحابه وكان منقطعًا إلى الحسن بن سهل وزير المأمون فكتب إلى الفراء: أن الأمير الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب فإن رأيت أن تجمع لي أصولًا، وتجعل في ذلك كتابًا أرجع إليه، فقال الفراء لأصحابه: اجتمعوا حتى أمل عليكم كتابًا في القرآن، وجعل لهم يومًا، فلما حضروا خرج إليهم،
(1) مراتب النحويين: 87 وبغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة 2/ 333.
(2) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: 6/ 180.
(3) ينظر مقدمة معاني القرآن للفراء: 1/ 9 - 10 وتاريخ بغداد أو مدينة السلام 14/ 151 ونزهة الألباء في طبقات الأدباء: 101 وشذرات الذهب في أخبار من ذهب 2/ 19 ومدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو: 124 والنحو العربي مذاهبه وتيسيره: 99 وتاريخ النحو وأصوله 1/ 236.