ويحكى عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، أنه قال: لولا الفراء لما كانت اللغة، لأنه خلصها وضبطها، ولولا الفراء لسقطت العربية، لأنها كانت تنازع ويدعيها كل من أراد، ويتكلم الناس على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب [1] .
والمعاني يعدُّ بحق أهم كتب الفراء وأجداها وأنضجها ذلك أنه يمثل قمة النضج الفكري للفراء وقمة النضج المنهجي لنحو الكوفيين فقد تبين من تاريخ إملائه وهو سنة 204هـ أنه أملاهُ قبيل وفاته التي كانت سنة 207هـ، ومعنى هذا أنه ألفه بعد بلوغه مرحلة النضج والاكتمال، فتبين في هذا الكتاب الفراء في أوج عظمته وقمة نضجه ووصل إلينا في نحوه ومصطلحاته بعد أن استقرت معظم أصول النحو عنده وبدت فيه آراؤه النحوية والصرفية واللغوية والصوتية في أقصى درجات نضجها وتكاملها [2] .
وقال أبو العباس: (( كتب الفراء لا يوازى بها كتاب ) ) [3] .
لقد عالج الفراء في كتابه آيات القرآن الكريم التي يرى فيها مشكلة معينة، وأهمل الآيات التي لا إشكال فيها، فهو إذن لا يستقصي آيات القرآن وإنما يقف على ما أشكل منها، على أنه التزم في تناوله الآيات بترتيبها في السورة، والتزم بترتيب السور في القرآن، فالفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران وهكذا، والآية الثانية مثلًا ثم الخامسة ثم التاسعة وهكذا، وأكبر الظن أنه لم يحد عن هذا الترتيب في كتابه [4] .
ولكتاب (معاني القرآن) أهمية كبيرة في تاريخ النحو، والكوفي منه بوجه خاص فقد كان هذا من أوائل الكتب التي كانت تعنى بتوضيح المشكلات الواردة في كتاب الله العزيز وقراءاته المتواترة وغيرها، فكأنه كان شرحًا لغويًا نحويًا صرفيًا إلى جانب عنايته بما يرد في القراءات من موضوعات صوتية كالمد والهمزة والوقف والابتداء والإدغام ونحوها، وله قيمة تاريخية موضوعية، فقد كان من أوائل الكتب
(1) طبقات النحويين واللغويين للزبيدي: 132 والأنساب 10/ 153 ونزهة الألباء في طبقات الأدباء: 98 وغاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري 2/ 371 وضياء السالك إلى أوضح المسالك 1/ 119.
(2) ينظر: أبو زكريا الفراء ومذهبه في النحو واللغة: 277 - 279 والمدارس النحوية - خديجة الحديثي: 202 - 203.
(3) طبقات النحويين واللغويين: 133.
(4) الدراسات اللغوية عند العرب إلى نهاية القرن الثالث - محمد حسين آل ياسين: 104 - 105.