الصفحة 300 من 332

أما الفرَّاء فيتفق مع الأَخفش، وذلك في قوله تعالى:

{سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي} [1] (قال) نوح (- عليه السلام -) : (قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) فمن في موضع نصب؛ لأن المعصوم خلاف للعاصم والمرحوم معصوم ... ولا يجوز ذلك في وجه أن تقول: المعصوم عاصم. ولكن لو جعلت العاصم في تأويل معصوم كأنك قلت: لا معصوم اليوم من أمر الله .. ولا تنكرن أن يخرج المفعول على فاعل؛ ألا ترى قوله {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [2] فمعناه والله أعلم: مدفوق وقوله:

{فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [3] معناها مرضية، .. تستدل على ذلك أنك تقول: رضيت هذه المعيشة ولا تقول: رضيت ودفق الماء ولا تقول: دفق، ... ويقرأ (إلا من رحم) أيضًا. ولو قيل لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم كأنك قلت: لا يعصم الله اليوم إلا من رحم ولم نسمع أحد أقرأ به [4] .

فنلاحظ هنا أن الفرَّاء قد اتفق مع الأَخفش في استعماله لمصطلح الفاعل بمعنى المفعول، وهو قوله العاصم بمعنى المعصوم، ودافق معناه مدفوق، وراضية معناها مرضية.

دلالة اسم الفاعل على النسب:

نلاحظ أن الأَخفش كان يذكر دلالة اسم الفاعل على النسب، ومنها ما ورد في قوله تعالى: {لاغِيَةَ} [5] .

أي: لا تسمع كلمة لغو وجعلها لاغية، والحجة بهذا أنك تقول: (فارس) لصاحب الفرس، و (دارع) لصاحب الدرع، و (شاعر) لصاحب الشعر. وقال الشاعر:

أغررتني وزعمت أنـ ... ـك لابن بالصيف تامرْ [6]

(1) سورة هود: الآية 43.

(2) سورة الطارق: الآية 6.

(3) سورة الحاقة: الآية 21.

(4) معاني القرآن للفراء: 2/ 15 - 16. وينظر على سبيل المثال لا الحصر: معاني القرآن للفراء: 3/ 255، 2/ 87 - 88، 1/ 32 - 33 وغيرها.

(5) سورة الغاشية: الآية 11.

(6) ينظر: ديوان الحطيئة: 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت