فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 213

ثم تأتي القرينة السياقية المتأخرة التي أزالت الإبهام وبيّنته في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} (الحاقة: 4) ، فدل على أن الحاقة هي القارعة، والقارعة يوم القيامة، وإذن فالحاقة، يوم القيامة، فتكون العلاقة على الوجه الآتي:

الحاقة = القارعة.

القارعة = يوم القيامة.

إذن الحاقة = يوم القيامة. فهي علاقة تعديّ.

وبذلك وضح الإبهام الذي في الحاقة بالقارعة، فكانت في سورة أخرى، وهي سورة (القارعة) وهي قرينة سياقية منفصلة متأخرة عنها.

وقد يكون الإبهام ثم البيان في التعبير القرآئي بطريقة الخبر بعد الانشاء، كما في الخبر بعد الاستفهام التجهيلي في قوله تعالى: {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} (البلد: 11 - 12) .

فالعقبة هي: طريقٌ في الجبل وعرٌ يرتقى بمشقة، والجمع عقب وعقاب [1] أو (( الثنية الضيقة في رأس الجبل يتعاقبها الناس، فشُبّهت النفقة في وجوه البر بها ) ) [2] .

وفُسّرت العقبة هنا بالأيادي، والنعم بالاعمال الصالحة من فك الرقاب وإطعام اليتامى، والمساكين ثم بالايمان الذي هو أصل كل طاعة وأساس كل خير [3] . وفسّر الطبرسي هذا اللفظ، وذكر الاشتباه الذي قد يقع في معناه لو لم يكن قد قُدر، قائلًا: (( إن المعنى وما أدراك ما اقتحام العقبة؟ فكُّ رقبة أو

إطعام، أي: اقتحامها أحد هذين أو هذا الضرب من فعل القرب فلو لم تقدره وتركت الكلام على ظاهره، كان المعنى: العقبة، فك رقبة، ولا تكون العقبة الفك؛ لأنه عينٌ والفك حَدَثٌ )) [4] . وفُسّرت العقبة بالقرينة السياقية المتأخرة في قوله تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ - أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ - يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ - أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} (البلد:13 - 16) .

فورد الإبهام بصيغة الاستفهام، وهو أسلوب بليغ في إيصال المراد بإثارة وتشويق المتلقي، ثم ورد بعده بيانٌ لهذا الإبهام وإزالته بكلام مفصل.

وتُعدّ الجملة الانشائية موجدة للمعنى، والخبرية حاكية عنه [5] .

وعلى ذلك يكون التعبير القرآني مساندًا بعضه بعضًا؛ فهو (( كل متكامل ينهض بعضه لتوضيح بعض وتبيينه ) ) [6] .

(2) الإجمال ثم التفصيل:

ويأتي الكلام فيه مجملًا لدرجة الإبهام ثم تردفه عبارات مفصلة لدفع ذلك الإبهام والغموض، وهي طريقة يتضمنها التعبير القرآني في تفسير آياته بعضها ببعض؛ لأن مَنْ أراد (( تفسير الكتاب العزيز طلبه أولًا من القرآن، فما أجمل منه في مكان فقد فُسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر منه ) ) [7] .

وفي التعبير القرآني ورد الإجمال ثم التفصيل في مواضع عدّة، منها إبهام الإحسان في قوله تعالى: {آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} (الذاريات: 16) .

والإحسان هو فعل الخيرات إلى الغير بضروبه المختلفة [8] ، فكان الإحسان مجملًا ثم فصّل بقوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ - وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ - وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم} (الذاريات:17 - 19) .

(1) العين 2/ 1244، مادة (عقب) ، ومفردات (الراغب) /576، مادة (عقب) .

(2) مجمع البيان 10/ 492.

(3) ينظر: الكشاف 4/ 256.

(4) مجمع البيان 10/ 491.

(5) ينظر: البحث النحوي عند الأصوليين: 260.

(6) دراسة لغوية ونحوية في تفسير البيضاوي، عبد الوهاب حسن حمد (رسالة ماجستير) : 45.

(7) مقدمة في أصول التفسير: 93.

(8) ينظر: مجمع البيان 9/ 155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت