فهرس الكتاب
ويُعَد هذا الأسلوب أفضل أساليب تفسير القرآن؛ لإنه ينبع من داخل النص المعجز الكريم لا من خارجه، إذ إن كلام الله - تعالى - إذا كان شاهدًا لكلام الله، فهو خير شاهد، ودونه كل الشواهد [1] .
والقرينة الدلالية السياقية في القرآن الكريم لها ثلاثة رتب أو مواضع: متقدمة على اللفظة التي تفسرها، أو متأخرة عنها، أو مكتنفة لها من جانبيها السابق لها واللاحق بها، وجميعها من داخل النص القرآني [2] .
وسنتناول فيما يأتي كل واحدة منهما بالبيان.
أ - القرينة المتقدمة:
وهي القرينة اللفظية السياقية التي تسبق ما تفسره وتدل عليه، إذ تتقدم في صورة من الصور، بأن تكون قريبة منه، وغير تالية له.
ومن أمثلة هذه القرينة السياقية، ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى، يصف المشركين حين يُدعون إلى الإيمان وسماع القرآن: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} (المدثر: 50 - 51) ، فشُبِّه المشركون من حيث حالهم في الإعراض عن سماع القرآن بالحُمر الوحشية المستنفرة، وهي التي فرت خوفًا وهلعًا من شيء يطاردها، وهذا التشبيه كان لأسباب هي:
أولًا: إنه مذمة ظاهرة وتهجين لحالهم، وشهادة عليهم بالبلادة، كما في قوله تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} (الجمعة: 5) .
ثانيًا: المقصود تشبيه إدبارهم عن الحق، وتسارعهم في الإعراض عنه بنفار حمر الوحش، وهي المعروفة عند العرب بالسرعة وخصوصًا إذا أحست بقانص [3] .
(1) ينظر: منهج الجلالين في تفسير القرآن الكريم، (القسم الأول) ، الدكتور كاصد الزيدي (بحث) : 132.
(2) ينظر: الدلالة في البنية العربية بين السياق اللفظي والسياق الحالي: 14.
(3) ينظر: الكشاف، الزمخشري 4/ 187 - 188.