فهرس الكتاب
الكبير الذي يسببه الأسد حين يطرد هذه الحمر عندما يبرز لها. أما الصياد، فلا يستطيع أن يبرز لها لئلا يرعبها فتفر منه، إذ المعروف عن الصيادين ابتعادهم واختفاؤهم عن الفريسة ليتمكنوا من صيدها عند غفلتها، بالمخاتلة وليس بالمبارزة والظهور كحال الأسد، فيكون بذلك الاعتماد على القرينة السياقية اللفظية في تحليل اللفظ وبيان معناه.
ومثال القرينة المتقدمة أيضًا قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (فصلت: 34) ، فقد فُسِّرت الآية تفسيرات عِدّة، منها: أن الله - عز وجل - أمر المؤمنين: (( بالصبر عند الغضب والحلم والعفو عند الإساءة ) ) [1] .
وقيل: إنه خطاب للنبي محمد في أن يدفع بحقهِ باطلهم وبحلمه جهلهم وبعفوه إساءتهم.
فإذا دفع خصومه بلين ورفق ومداراة صار، عدوه في الدين كأنه وليه القريب في دينه وحميمه في النسب.
وقيل معناه: لا تستوي الملة الحسنة التي هي الإسلام، والملة السيئة التي هي الكفر [2] . وفُسّرت أيضًا بأن شعارها (( ادفع بالسلام على من أساء إليك ) ) [3] .
فيلحظ مما سبق أن التفسير الأول هو المناسب لسياق الآية اللفظي، بدليل القرينة المتقدمة في الآية نفسها، وهي: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ} ، أي: لاتتساوى الخصلة الحسنة والأخرى السيئة، وهذا القول مناسب لسياق الآية في عدم مقابلة الإساءة بالإساءة، فالأفضل أن يكون دفع الخصلة السيئة بالخصلة الحسنة، التي تقابلها وتضادّها [4] ؛ إذ العمل يكون دائمًا أكثر تأثيرًا وأعمق في النفس من القول، لذلك فإنّ التحية غير كافية لتغيير العدو إلى صديقٍ أو وليٍّ حميم. فبذلك يكون التفسير الأول بالقرينة المتقدمة هو الأولى والأقرب.
(1) جامع البيان، الطبري 23/ 8؛ وينظر: الكشاف 3/ 453 - 454.
(2) ينظر: مجمع البيان 9/ 13.
(3) جامع البيان 24/ 76.
(4) ينظر: الميزان 17/ 417.