فهرس الكتاب
عُلِّق به، ففي الآية السابقة البعث يعني: إحياء الموتى الذي خصّ به الله - عز وجل - بعض أوليائه [1] .
وفُسِّر البعث في الآية الكريمة بالإيقاظ من النوم، بالقرينة المتقدمة، وهي قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} (الكهف: 11) ، أي: (( أنمناهم سنين ذات عدد وسددنا آذانهم بالنوم الغالب على نفوذ الأصوات إليها سنين كثيرة؛ لأن القائم إنما ينتبه بسماع الصوت ودل سبحانه بذلك على أنهم لم يموتوا وكانوا نيامًا في أمن وراحة، وجمام نفس، وهذا من فصيح لغات القرآن التي لايمكن أن يترجم بمعنىً يوافق اللفظ ) ) [2] ، فبذلك أثبتت القرينة المتقدمة كون البعث كان الإيقاظ من النوم لا الإحياء، والدليل على أنهم كانوا نيامًا، قوله تعالى في موضع آخر: {وَتَحْسَبهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} (الكهف: 18) ، أي تظنهم يقظين، مع أنهم في واقع الحال نيام بقدرة الله.
ب - القرينة السياقية المتأخرة:
وهي القرينة التي تأتي بعد اللفظة المبهمة، مفسرة وموضحة لها، فتحدد معناها في السياق اللفظي. وهناك كثير من القرائن المتأخرة في التعبير القرآني، منها ما ورد في قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ} (الزمر: 32) .
فقد فُسر (الصدق) في الآية تفسيرين، الأول: أنه الأمر الذي، هو الصدق بعينه [3] . والآخر: أنه القرآن الكريم، وقيل: التوحيد، وقيل: إنه قول لا إله إلاّ الله [4] . وهذه الاحتمالات جميعها في التفسير الثاني: تعني: الصادق من النبأ، وهو: الدين الإلهي، وفُسرِّ (الصدق) بهذا التفسير بقرينة السياق المتأخر (إذ جاءه)
(1) ينظر: مفردات (الراغب) : 132 - 133 (بَعَثَ)
(2) مجموع البيان 6/ 452؛ وينظر: الكشاف 2/ 473؛ والميزان 13/ 266 - 267.
(3) ينظر: الكشاف 3/ 398.
(4) ينظر: مجمع البيان 8/ 398.